قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)
قوله: (أي في أصل الإِنشاء لأنه خلق أصلهم منه) وهو آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ فيكون مَجَازًا
في الإيقاع أو يقدر الْمُضَاف أي خلق أصلكم من تراب أي من طين صلصال كالفخار فقط
كما هُوَ المذهب أو هُوَ أغلب العناصر أو الْمُرَاد بالأصل النطفة لأنها خلقت من أغذية
خلقت من تراب كما مَرَّ بَيَانُهُ في سورة البقرة فحِينَئِذٍ التراب عَلَى حاله غير مأول بـ(سلالة
من طين)والْمَعْنَى ومن آياته أي دلائل عَقْليَّة عَلَى كمال قدرته خلقكم
من تراب فيقدر عَلَى إخراجكم من الْأَرْض تارة أخرى فيتضح ارتباطه بما قبله.
قوله: (ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الْأَرْض) أي إن إذا للمفاجأة وثم
للتراخي في الزمان ولا ينافيه المفاجأة لأنه لا منع من أن يفاجأ أحد أمرًا بعد مضي مدة من
أمر آخر كذا قيل. واختار الطيبي كونها للتراخي الرتبي لأن المفاجأة تأبى الحقيقي وهذا
غريب؛ إذ لا ريب في كون المدة بين الخلق والنشر والتراخي الزماني بالسنة إليه والمفاجأة
بالنسبة إلَى آخر المدة، والْمُرَاد بالانتشار البث في الْأَرْض كقَوْله تَعَالَى:(وبت منهما رجالًا
كثيرًا ونساء)وقيل الْمُرَاد بالانتشار في الْأَرْض الذهاب للمحشر وهو بعيد وما
ذكرناه مذكور في الكَشَّاف.
قوله: تعإلى: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)
قوله:(لأن حواء خلقت من ضلع آدم - عليه السلام - وسائر النساء خلقن من نطف
الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر)لأن حواء الخ. كقَوْله تَعَالَى:(وخلق منها
زوجها)فالجمع هنا لانقسام الآحاد إلَى الآحاد، لكن قوله وسائر النساء الخ.
بناء عَلَى أنها خلقن من مياه الرجال فقط كما يشعر به قَوْلُه تَعَالَى: (خلق من ماء دافق)
وقَوْلُه تَعَالَى: (إنا خلقنا الْإنْسَان من نطفة أمشاج) الآية.
كالصريح في أن الْإنْسَان خلق من ماء الرجال والنساء معًا وهو الْمُخْتَار فالتَّخْصِيص باعْتبَار
الأصالة والغلبة فالأنفس بمعنى الذوات كأنه قيل خلقكم منكم كقَوْله تَعَالَى:(وخلق منها
زوجها)قوله أو لأنهن من جنسهم فالنفس مجاز في الجنس كقَوْله تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنه خلق أصلهم منه. تعليل لتوجيه الخطاب إلَى جميعهم في قوله: (خلقكم)
والمخلوق من التراب واحد منهم. والْمَعْنَى خلق أصلكم من تراب ليتصل به.
قوله: (ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ) أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا و (ثُمَّ) للتراخي في
الرتبة لا في الزمان لأن المفاجأة تدفع كونه للتراخي الزماني لأنها تفيد أن كونهم بشرًا منتشرين
عقيب الخلق بلا مهلة بل لا بعدية له منه زمانًا لأن وقت كونهم بشرًا منتشرين هُوَ عين وقت
خلقهم فوجب المصير إلَى التراخي الرتبي.