بالفلك سفينة نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ كما أن الأول عَلَى أن يراد به جنس الفلك وعلى هذا
الاحتمال الثاني به رد عَلَى المعتزلة لأن خلقنا يدل عَلَى أن أفعال العباد مخلوقة لله تَعَالَى.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ(43)
قوله: (فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق، أو فلا إغاثة كقولهم أتاهم الصريخ) فلا
مغيث الخ. أشار به إلَى أن الصريخ يكون بمعنى المغيث وهو الْمُنَاسب للمقام ولذا قدمه.
قوله: أو فلا استغاثة. إشَارَة إلَى أن الصريخ قد يجيء أَيْضًا بمعنى المستغيث فهو من قبيل
الأضداد كما نقل عن أرباب اللغة، لكن قول الْمُصَنّف فلا استغاثة يدل عَلَى أن الصريخ
مصدر بوزن وجيف ؛ إذ أصله بمعنى الصراخ وهو نداء وصوت مَخْصُوص لكن نفي
الاستغاثة نفي اعتداد به وكذا الْكَلَام في المستغيث إذا أريد بالصريخ وإن لم يتعرض له.
قوله: كقولهم أتاهم الصريخ هذا وإن احتمل أن يكون الصريخ بمعنى المغيث كما ظهر
من أتاهم ؛ إذ الإتيان من خواص الجسم لكن لما كان مجيئه مصدرًا ثابتًا عند أصحاب
اللغة حمله الْمُصَنّف عَلَى كونه [مصدرًا والمعنى] أتاهم الصريخ أي الاستغاثة والإتيان [حِينَئِذٍ]
مُسْتَعَار للحصول .
قوله: (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) هذا أبلغ من ولا ينقذون لاشتماله تكرر
النسبة وتقديم المشد إليه عَلَى الخبر الفعلي والظَّاهر أنه للحصر .
قوله: (ينجون من الموت به) ينجون من الإنجاء أو [التنجية] وهو الأولى أي لا
يخلصون من الموت بأنفسهم بدون مغيث، والأول نفي العون والنصرة والثاني نفي النجاة
بأنفسهم بدون عون ونصرة وقدم الأول لأنه أليق بالنفي .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ(44)
قوله: (إلا لرحمة [ولتمتيع] بالحياة) إلا لرحمة أَشَارَ إلَى أن رحمة مَفْعُول له من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كقولهم: [أتاهم] الصريخ. هذا استشهاد عَلَى مجيء الصريخ بمعنى الاستغاثة، وفي الْكتَاب:
الصريخ والصارخ المستغيث. أقول: في دلالة قولهم: أتاهم الصريخ عَلَى كون الصريخ الاستغاثة نظر
لجواز أن يكون معناه أتاهم المغيث، اللهم إلا أن يكون مراده أن [الصريخ] يستعمل في المَعْنَيَيْن كما
في قولهم: أتاهم الصريخ لكن الظَّاهر من إيراده عقيب قوله أو فلا استغاثة أنه للاستشهاد عَلَى مجيئه
للاستغاثة كما هُوَ عادته .
قوله: إلا لرحمة [وتمتيع] بالحياة. مشعر بأن الاستثناء متصل والْمُسْتَثْنَى منه أعم عام الْمَفْعُول له
التقدير ولا هم ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا. قال أبو البقاء: هُوَ مَفْعُول له أو مصدر. وقيل
استثناء منقطع. وقد اختار صاحب الكَشَّاف في الأنعام هذا، واختار هَاهُنَا الاتصال حيث قال: لا ينجون
من الموت بالغرق إلا رحمة إلا لرحمة فتقديره عَلَى الانقطاع ولا هم ينحون من الغرق ألبتة، ولكن
رحمة منا هي التي تنجيهم، فعلى هذا يكون في عطف متاعًا عَلَى رحمة تكلف لرجوع الْمَعْنَى إلَى
التمتيع إلَى حين ينجيهم إلا أن يقدر الإرادة ويكون الإسناد من باب الإسناد إلَى السبب أي ينجيهم