متضمن بأنه مأمور أَيْضًا بأمر الغير لعبادة الله تَعَالَى بالْإخْلَاص وأنه عليه
السلام فعل ذلك أولًا ثم أَمر غيره ثانيًا .
قوله: (بعد الأمر به) أي بعد كونه عليه السَّلام مأمورًا بالْإخْلَاص بقوله:(إني أمرت
أن أعبد الله مخلصًا)الخ. واخْتيرَ الْإطْنَاب حيث لم يجئ أن أعبد الله له
الدين أولًا لأن التَّفْصيل بعد الإجمال أوقع في الأذهان وأبلغ في البيان .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13)
قوله: (بترك الْإخْلَاص والميل إلَى ما أنتم عليه من الشرك والرياء) لم يقل بترك
الْعبَادَة للتنبيه عَلَى أن الْعبَادَة بلا إخلاص كلا عبادة، وَأَيْضًا فيه تعريض بأنكم مشركون في
عبادتكم شركًا خفيًا وهو الرياء وهو مثل الشرك الجلي في عدم قبول الْعبَادَة .
قوله: (لعظم ما فيه) أي وصف اليوم بالعظم لعظم ما فيه من العذاب والحجاب ولو
قيل عظيم صفة عذاب والجر للجواز لم يبعد .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي(14)
فود: (أمر بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصًا له دينه) عن إخلاصه أي في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الانتصاف: هذا الوجه أحسن الْوُجُوه. والوجه الثاني أن يراد بالسبق بالقدم والْأَعْمَال الصالحة وهو
الْمُرَاد من قوله وأن أفعل ما أستحق به الأولية كقَوْله تَعَالَى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) .
وهذا الوجه الثاني وهو أن [تكون] اللام مزيدة أوفق لتأليف نظم الْقُرْآن لورود
أمثاله بغير اللام في الْقُرْآن كما ذكرت فقوله إسلامًا الظَّاهر أنه تمييز وبيان لما أبهم في الأولية
فقوله دلالة عَلَى السبب بالمسبب يعني أطلق التقدم في الْإسْلَام وأريد الْأَعْمَال الصالحة لأن
الْأَعْمَال سبب السبق عَلَى أن من لم يأت من الْمُؤْمنينَ بالْأَعْمَال حاصل في منزلة بين المنزلتين
عندهم وعند المحدثين والسلف الصالحين هُوَ من إطلاق الكل عَلَى البعض لأن الْأَعْمَال ركن من
ركني الْإسْلَام فإن الْإسْلَام عندهم مجموع الأمرين التصديق والعمل .
قوله: أمر بالْإخْبَار عن إخلاصه هذا دفع لما عسى يتوهم من معنى التكرير في قوله:(قُلْ
إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)و (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي)
وحاصل الدفع أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادات والْإخْلَاص والثاني
إخبار بأنه [يخص] الله وحده دون غيره بعبادته مخلصًا له دينه ولدلالته عَلَى ذلك قدم المعبود عَلَى
فعل الْعبَادَة وأخَّره في الأول، فالْكَلَام أولًا واقع في الْفعْل نفسه وإحداثه وثانيًا فيمن يفعل الْفعْل
لأجله ولذلك رتب عليه قوله ( [فَاعْبُدُوا مَا] شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) والْمُرَاد بهذا الأمر الوارد عَلَى وجه التخيير
المُبَالَغَة في الخذلان والتخلية كذا في الكَشَّاف وتلخيص دفع وهم التكرير أن الأول إخبار عن كونه
كان مأمورًا بإحداث الْإخْلَاص والثاني إخبار عن أنه امتثل الأمر وفعل المأمور به ولذلك قدم
الْمَفْعُول عَلَى الْفعْل وقد تقرر عند أصحاب الْمَعَاني أنهم إذا قدموا عَلَى الْفعْل معموله آذنوا بتقرير
الْفعْل وأنه مسلم الثبوت والتردد في المعمول كأنهم قَالُوا له اعبد ما نعبد لنعبد ما تعبد كما روي
في سبب نزول: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون) أن رهطًا من قريش قَالُوا يا مُحَمَّد هلم