قوله: (تغلي بهم غليان المرجل بما فيه) نبه به عَلَى أن الْكَلَام محمول عَلَى التشبيه
أو الْمُرَاد بذكر التشبيه توضيح ذلك لا الإشَارَة إلَى الاسْتعَارَة.
قوله تَعَالَى: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8)
قوله: (تتفرق غضبًا عليهم) معنى (تَمَيَّزُ) هنا مجاز إن التفرق لا يستلزم للتميز. قوله
غضبًا عليهم أَشَارَ إلَى أن الغيظ بمعنى الغضب الكامن للعاجز عن الانتقام كما في الصحاح.
وذكر غضبًا بلا قيد الكامن يشعر بأن الغيظ هُوَ الغضب أو أسوءه.
قوله: (وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم) يعني أنه اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة
المنتزعة من أمور عديدة وهي النَّار وشدة الاشتعال بها وحصول الألم الشديد بها بهيئة
أخرى مأخوذة من أشياء كثيرة المغتاظ واغتياظه، وكمال حرصه في إيصال الألم الفادح
إلى مَن غضب عليه بحَيْثُ يكاد المغتاظ يتفرق من كمال غضبه. وجه الشبه قوة التأثير
لكن في المشبه أقوى وفي المشبه به أعرف والأعرفية تكفي في كونه مشبهًا به، وأما
كونه أقوى فليس بشرط والتمثيل كالنص في الاسْتعَارَة التمثيلية. وقيل التمثيل في كلامه
بمعنى التشبيه فالاسْتعَارَة تصريحية؛ لأن اشتعال النَّار بهم شبه باغتياظ المغتاظ ويجوز
أن يكون المصرحة هنا تخييلية تابعة للمكنية بأن شبه جهنم في شدة غليانها وقوة
تأثيرها في أهلها بإنسان شديد الغضب عَلَى غيره مبالغ في إيصال الضرر فتوهم صورة
كصورة الحالة المحققة الوجدانية وهي الغضب الباعث عَلَى ذلك، واسْتُعيرَ لتلك الحالة
المتوهمة الغيظ كما في شرح المفتاح الشريفي، والكل يخالف لما يتبادر من كلام
الْمُصَنّف عَلَى أن ما نقل عن السيد قدس سره مسلك صاحب المفتاح فهو قدس سره
بيَّن المقام هناك عَلَى مذاق السكاكي فلا يناسب حل كلام القاضي بذلك المسلك
المردود والْقَوْل بثبوت الغيظ الحقيقي بأن يخلق الله تَعَالَى فيها إدراكًا جواب آخر لا
يوافق كلام الْمُصَنّف. قوله (تكاد) يقرب الغلول وهو المُبَالَغَة التي هي غير
ممكن عقلًا [ولا عادةً] إلَى الصحة وهذا لا ينافي الاسْتعَارَة أَلَا [تَرَى] أنه لو قيل تكاد تميز من
الاشتغال وقوته لكان اسْتعْمَال تكاد في بابه؛ إذ به يصح إسناد التفرق إليها حِينَئِذٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تتفرق غضبًا عليهم. قال الرَّاغب:[المَيْزُ والتَّمْيِيزُ: الفصل بين المتشابهات، يقال: مَازَهُ يَمِيزُهُ مَيْزًا،
ومَيَّزَهُ تَمْيِيزًا والتَّمْيِيزُ يقال تارة للفصل، وتارة للقوّة التي في الدّماغ، وبها تستنبط المعاني، ومنه يقال: فلان
لا تمييز له، ويقال: انْمَازَ وامْتَازَ، قال: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) وتَمَيَّزَ
كذا مطاوعُ مَازَ. أي: انْفَصَلَ وانْقَطَعَ، قال تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ)] .
قوله: وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم. معنى الشدة مُسْتَفَاد من لفظ الغيظ. قال الراغب: الغيظ
أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها الْإنْسَان من فوران دم قلبه قال تَعَالَى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ)
فإذا وصف الله تَعَالَى به فإنما يراد به الانتقام، وكَذَلكَ جاء: اتقوا الغضب فإنه
جمرة في قلب ابن آدم ألم تر انتفاخ أوداجه [وحمرة] عينيه.