قَوْلُه تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55)
قوله: (خطاب للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ [وللأمة] ) أي الأمة الدعوة سواء كانت أمة إجابة أو
لا وسواء كان الموجودين وقت النزول ومن سيوجد لما تواتر من دينه عَلَيْهِ السَّلَامُ أن
مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ثابت إلَى قيام الساعة وهذا الاسْتعْمَال عَلَى طريق
الْمَجَاز لأن أصل الخطاب أن يكون المعين فاسْتعْمَاله في غير المعين مجاز بطَريق ذكر اسم
المقيد وإرادة المطلق واسْتعْمَاله في الغير المعين لكونه فرد المطلق أو بطَريق ذكر المطلق
وإرادة المقيد فيكون مَجَازًا مرسلًا بمرتبتين، ويحتمل أن يكون اسْتعَارَة لأن الغير المعين
كالمعين، وأما تعميمه إلَى المعدوم فللتغليب.
قوله: (أو له ولمن معه) وهم المهاجرون أو الأصحاب مطلقًا.
قوله: (ومن للبيان) أي عَلَى التقدير الثاني، وإنَّمَا كان للبيان لأن المخاطبين هم
الْمُؤْمنُونَ فلا يصلح أن يكون كلمة مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وأما عَلَى الأول فهي للتبعيض لأن الْمُرَاد
الأمة الدعوة وإن أريد بها الأمة الإجابة فهي للبيان أَيْضًا، وفَائدَة البيان لزيادة التمكن في
الذهن ولو ترك لا يضر، ولذا كثيرًا ما لم يذكر قال تَعَالَى:(وعد الله الْمُؤْمنينَ والْمُؤْمنات
جنات تجري)الآية. ونظائر كثيرة. قوله خطاب للرسول إشَارَة إلَى أن فيه
تلوين الخطاب خاطب المقسمين الْمُنَافقينَ عَلَى تقدير التولي ثم صرف الخطاب عنهم إلَى
الْمُؤْمنينَ الثابتين المخلصين في الإيقان وهو كالاعتراض فلما ذكرته يجب أن يأمرهم
بالإطاعة شفاها ولا يخاف مضرتهم، بينه عَلَى أوكد وجه بأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ ومن معه هُوَ
الغالب كقَوْله تَعَالَى: (وإن جندنا لهم الغالبون) لكنه مقيد بالأغلب
وخوفهم ينقلب أمنًا أمينًا فاتضح ارتباط هذه لما قبلها وقدم من ومجرورها عَلَى الْمَعْطُوف
لأنه معمول آمنوا والمعمول حقه أن يقدم عَلَى الْمَعْطُوف لكونه من التوابع ثم هذا القيد
معتبر في الْمَعْطُوف ولم يذكر اكتفاء لما سبق وعطف العمل الصالح تنبيهًا عَلَى أن مدار
الاستخلاف الْمُرَاد هنا الإيمان والعمل الصالح معًا وليس الْمُرَاد به الخلافة المعروفة حتى
يقال قدم هذا إشَارَة إلَى أن مدار الاستخلاف الإيمان فإن الخَليفَة لا [ينعزل] بالفسق ويرد
عليه أَيْضًا فحِينَئِذٍ يلزم عدم الفَائدَة في عطف العمل الصالح عَلَى الإيمان، وأما تأخيره في
الفتح فلاختيار التنازع وليس التأخير للتنبيه عَلَى أن مدار الْمَغْفرَة والأجر العظيم الإيمان
والعمل الصالح لأن الإيمان وحده كاف في ذلك، صرح به في سورة الحديد في تفسير. قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومن للبيان. أي لفظة من في منكم لبيان (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أمن المخاطبين.