والْقَوْل بأن المطلق ليس سببًا للمقيد فلا بد من التأويل بالإرادة ضعيف ؛ إذ المقيد موقوف
على المطلق فهو سبب له ولو ناقصًا لأن الشخص ما لم يقدر المطلق لم يقدر المقيد
فالْمَعْنَى وإذا فعلتم هذا الْفعْل فعلتم عَلَى وجه أتم وفي مثل هذا المَوْضع الإشكال باتحاد
الشرط والْجَزَاء ودفعه بما ذكرناه لا بعدم سببية الشرط للجزاء، أَلَا [تَرَى] أن شراح الْحَديث
دفع إشكال الاتحاد في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"فمن كانت هجرته إلَى الله ورسوله فهجرته إلَى الله"
ورسوله"بأن الْمُرَاد فهجرته مقبولة كاملة فجعلوا مطلق الهجرة إلَى الله ورسوله سببًا للهجرة"
المقيدة لكونها سببًا في الْجُمْلَة .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(131)
قوله: (بترك هذه الأشياء) قيده بها لبيان ارتباطه بما قبله وإلا فالْمَعْنَى (فاتَّقُوا اللَّهَ)
بترك جميع المنكرات وإتيان جميع المأمورات، إلا أن يقال إن العموم
لكونه مُسْتَفَادًا من قوله وأطيعون خص الأشياء الْمَذْكُورة بالذكر.
قوله: (فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم) من قبيل: الصيف أحر من الشتاء أو بمعنى
أصل الفعل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ(132)
قوله: (كرره مرتبًا على إمداد الله تعالى إياهم بما يعرفونه من أنواع النعم) كرره أي بحسب
الظَّاهر وإلا فبالنظر إلَى ما ذكره من قوله مرتبًا عليه الخ. لا تكرار.
قوله: (تعليلًا) فإن نسبة أمر إلَى المشتق يفيد علية مأخذ الاشْتقَاق لكن ليست علة
مستقلة ؛ إذ خلقه تَعَالَى يقتضي الاتقاء عنه وسائر إنعاماته لم تذكر هنا ثم الْمُرَاد بالعلة العلة
الحصولية لا التَحْصيلية .
قوله: (وتنبيهًا على الوعد عليه بدوام الإِمداد والوعيد على تركه بالانقطاع) وتنبيهًا عَلَى
الوعد عليه. أي عَلَى الاتقاء لأن التَّقْوَى لما عللت بالإمداد يفهم منه أن بالتَّقْوَى يدوم الإمداد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كرره. أي كرر هود - عليه السلام - الأمر بالاتقاء مرتبًا عَلَى إمداد اللَّه تَعَالَى إياهم ما يعرفونه من
أنواع النعم تعليلًا. أي تعليلا للأمر بالاتقاء أو تعليلًا باتقائهم، فالْمَعْنَى أن الله تَعَالَى كما قدر أن
يتفضل عليكم بهذه النعمة وهي نعمة الإمداد بما يَعْمَلُونَ من صنوف النعم فهو قادر عَلَى
الثواب والعقاب فاتقوه أو أنه تَعَالَى كما قدر عَلَى أن ينعم تلك النعم عليكم فهو قادر عَلَى
نزعها من أيديكم إن لم تشكروها فاتقوا ترك شكر منعمها لئلا يكون ترك الشكر مسلبة لتلك
النعم ونحوه في ضم وصف القهارية مع وصف الرحمانية قَوْلُه تَعَالَى:(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).