لكن المُتَعَارَف في مادة علم ما ذكرناه أولًا. قوله تجهيل لهم لأنهم كَيْفَ يُعَلِّمُونَه وهو العالم
بكل شيء وأنه واضع الدين وهم وإن لم يقصدوا به التعليم لأنه لا يقدم عليه المجانين
فضلًا عن العقلاء لكن زل طورهم ومعاملتهم منزلة التعليم. قوله والله يعلم الخ. حال من
مَفْعُول تُعَلِّمُونَ مؤكدة للتشنيع وقوله: (والله بكل شيء عليم) جملة
تذييلية مقررة لما قبله تأكيدًا بعد تأكيد وقد روعي الترقي في التوبيخ حيث أخبر أولًا بأنه
يعلم ما في السَّمَاوَات وما في الْأَرْض، ثم ترقى فقال (والله بكل شيء) سواء كان معدومًا
ممتنعًا أو ممكنًا أو موجودًا واجبًا أو ممكنًا موجودًا الآن أو فيما سيأتي (عليم) مبالغ في
العلم سواء كان تعلقه قديمًا أو حادثًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ
لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)
قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ) صيغة الْمُضَارِع إما حكاية الحال الْمَاضية أو للاسْتمْرَار.
قوله:(يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه،
من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته)يعدون حاصل الْمَعْنَى. قوله وهي أي
المنة النعمة التي لا يستثيب أي لا يطلب الثواب. موليها أي معطيها ممن يزلها أي ممن
يوصل إليه متعلق بـ يستثيب. وفي القاموس: أزل إليه نعمة. أهديها إليه من المن أي وأصله من
المن بمعنى القطع. وجه المناسبة ما ذكره من قوله لأن المقصود الخ. فالاشْتقَاق كبير.
قوله: (وقيل النعمة الثقيلة) أي النعمة الجسيمة ولا يلاحظ فيها عدم طلب ثواب
معطيها كما لا يلاحظ كون النعمة جسيمة في الأول.
قوله: (من المن) وهو الرطل الذي يوزن به فالاشْتقَاق أيضًا اشْتقَاق كبير فالاشْتقَاق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ممن يزلها إليه. في النهاية من أزلت إليه نعمة فليشكرها. أي أسديت إليه وأعطيتها
وأصلها من الزلل وهو انتقال الجسم من مكان إلَى مكان فاسْتُعيرَ لانتقال النعمة من المنعم إلَى
المنعم عليه يقال زلت منه نعمة وأزلها إليه.
قوله: من المن. بمعنى القطع. قال الرَّاغب:[المِنَّةُ: النّعمة الثّقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان: إذا أثقله بالنّعمة، وعلى ذلك قوله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ) (يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ) (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)
وذلك على الحقيقة لا يكون إلّا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلّا عند كفران النّعمة، ولقبح ذلك قيل: المِنَّةُ تهدم الصّنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النّعمة حسنت المنّة. وقوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)
فالمنّة منهم بالقول، ومنّة الله عليهم بالفعل، وهو هدايته إيّاهم كما ذكر، وقوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً)
فالمنّ إشارة إلى الإطلاق بلا عوض. وقوله: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ)
أي: أنفقه، وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) فقد قيل: هو المنّة بالقول، وذلك أن يمتنّ به ويستكثره، وقيل معناه: لا تعط مبتغيا به أكثر منه، وقوله: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)
قيل: غير معدود كما قال: (بِغَيْرِ حِسابٍ) وقيل: غير مقطوع ولا منقوص. ومنه قيل:
المَنُون للمَنِيَّة؛ لأنها تنقص العدد وتقطع المدد.
وقيل: إنّ المنّة التي بالقول هي من هذا؛ لأنها تقطع النّعمة وتقتضي قطع الشّكر] .