من نشأ وولد من الَّذينَ كانوا مع نوح في السفينة وهم أولاده كما هُوَ الظَّاهر أو أولاده
وغيرهم ؛ إذ السلامة والبركات من قبله تَعَالَى لا يكونان إلا عَلَى الْمُؤْمنينَ. فإن قيل: فعلى هذا
لا يعلم نزول السلام والبركات عَلَى من معه في السفينة؟ قلنا إنه يعلم بدلالة النص .
قوله: (أي وممن معك اسم سنمتعهم في الدُّنْيَا) يشير إلَى أن أمم مبتدأ وسنمتعهم
صفته المسوغة لكون المبتدأ نكرة لتَخْصيصها والخبر مَحْذُوف وهو (ممن معك) ولفظة (من)
في (ممن معك) ابتدائية أي وبعض ذرية من معك معاند للحق مستوف طيباته في الحياة الدُّنْيَا
ثم يلقون الشقاء المؤبد في العقبى. ولعل التَّقْييد بقوله (سنمتعهم) للتنبيه عَلَى ذلك لا الاحتراز
عن غيرهم .
قوله: (في الْآخرَة، والْمُرَاد بهم الْكُفَّار من ذرية من معه) لما حمل نمتعهم عَلَى التمتع
في الدُّنْيَا تمهيدًا لهذا القيد صرحه هنا وإلا فما الباعث إلَى هذا القيد في الدُّنْيَا، والقرينة عَلَى
قيد الْآخرَة كلمة (ثُمَّ) وقيد العذاب بالأليم مع تنكيرهما .
قوله: (وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب والعذاب ما نزل بهم) مرضه لأن
التَّخْصِيص لا قرينة قوية عليه، وإن صدق عليهم أنهم ممن معه في السفينة بمعنى أنهم
أمم ناشئة متولدة ممن هُوَ مع نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنهم يدخلون تحت العموم، فلا وجه
للتَّخْصِيص وذكر قصصهم فيما سيأتي يفيد دخولهم أوليًا ولا يفيد التَّخْصِيص ثم عَلَى
تقدير كون الْمُرَاد هَؤُلَاء لا وجه لتَخْصيص العذاب بالدُّنْيَا كما يشعر به قوله والعذاب ما
نزل بهم أي في الدُّنْيَا .
قَوْلُه تَعَالَى: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
قوله: (إشَارَة إلَى قصة نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ) والبيان للاحتراز عن الإشَارَة إلَى قصة
هبوطه ونزوله من السفينة ونسبه عَلَى أن التَّخْصِيص غير مناسب ويعلم منه وجه التأنيث
وصيغة البعد للتفخيم لكونها بناء عَلَى أنها مشتملة للترغيب والترهيب وحاوية لمنافع كثيرة
على حسن الترتيب .
قوله: (ومحلها الرفع عَلَى الابتداء) وغرضه من ذلك التمهيد لبيان الْوُجُوه المحتملة
في قوله: من (أنباء الغيب) .
قوله: (وخبرها من أنباء الغيب) وفَائدَة الخبر ما أشار إليه بقوله وفي ذكرهم تنبيه الخ.
قوله: (أي بعضها) أي كلمة (مِنْ) تبعيضية وإضافة الأنباء إلَى الغيب بيانية. والْمَعْنَى
تلك القصة يَا أَيُّهَا النَّبيّ من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي لا من الغيوب التي عرفت
بنصب الدليل عليها أو بنقل أهل الْكتَاب فإنك لم تخالطه أو بنقل أهل التواريخ وغيره لأنه
لتقدم عهده غير معلوم تفصيلًا وإليه أشار بقوله: (نوحيها إليك) وصيغة
الْمُضَارِع لحكاية الحال الْمَاضية .