من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت. فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل
عليه السلام متمثلًا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهييج شهوتها به) أَشَارَ إلَى أن
الْمُرَاد بالروح جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ، وإنَّمَا سمي روحًا لأنه سبب للحياة المعنوية فسمي روحأ
اسْتعَارَة والْإضَافَة للتَشْريف بعد التَّشْريف. قوله بصورة شاب إشَارَة إلَى ما ذكرناه من أن صورة
الملكية اشقلت إلَى صورة البشرية ولا بد من بيان كيفيتها وقد ذهلوا عنها بالمرة. قوله قعدت في
مُشرَقة في القاموس المشرقة مثلثلة الراء مَوْضع القعود في الشمس في الشتاء والترجي في لعله
لتهيج شهوتها لعدم القطع فيه لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كلما تمثل تمثل بصورة بشر جميل كما كان يأتي
النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في صورة دحية الكلبي وهو صحابي جليل ذو جمال مفرط .
قوله: (فتنحدر نطفتها إلَى رحمها) ولا ينافي ذلك كونه خارق العادة لأن الولد لا يتكون
عادة من نطفة واحدة كون مثله كمثل آدم في الخلق بلا أب لا الخلق بلا أب وأم، كَمَا صَرَّحَ به
المص في قَوْله تَعَالَى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآية.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(18)
قوله: (بالرحمن منك من غاية عفافها) اسم الرحمن أوقع هنا من بين الأسامي لأنها
استرحمت ليرحم ضعفها وعدم القدرة عَلَى دفعه .
قوله: (تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة) تحتفل بمعنى تبالي كما بينه .
قوله:(وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك، أو فتستعيذ
بتعويذي فلا تتعرض لي)أو فتستعيذ الأولى حذف الفاء لأن الْمُضَارِع إذا وقع جزاء لا
يقترن بالفاء فيقدر المبتدأ فيكون فتستعيذ مرفوعًا والْجُمْلَة الاسمية تكون جوابًا بالفاء .
قوله:(ويجوز أن يكون للمُبَالَغَة أي إن كتب تقيًا متورعًا فإني أعوذ منك [فكيف] إذا لم تكن
كَذَلكَ) ويجوز أن يكون للمُبَالَغَة بالإعاذة عن أبعد الأشخاص من الاستعاذة فإن المتقي لا
يستعاذ منه لعدم الظن بسوء القصد فإذا استعذت منه كان استعاذتها من غيره بطَريق الأولى.
هذا عَلَى أن إن وصلية بلا واو كما هو الظَّاهر من كلامه وفي مجيئها بدون الواو اخْتلَاف
فـ [حِينَئِذٍ] تكون جملة الشرط حالًا كذا قَالُوا. لكن قوله أي إن كنت تقيًا متورعًا فإني أعوذ منك
الخ. ينافي كونه حالًا والظَّاهر أنه للمُبَالَغَة ؛ إذ لا مفهوم للمخالفة بالاتفاق في مثله فـ [حِينَئِذٍ] القيد
بالتَّقْوَى للمُبَالَغَة سواء كانت إن وصلية أو لا، فلا يظهر وجه قوله ويجوز أن يكون للمُبَالَغَة.
ثم قيل والمقصود بها الالتجاء إلَى الله تَعَالَى من شره لا حثه عَلَى الانزجار لأنه لا يناسب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويجوز أن يكون للمُبَالَغَة. أي إن كنت تقيًا متورعًا فإني أعود منك فَكَيْفَ إذا لم تكن
كَذَلكَ؟ فيكون كلمة إن مستعملة للتسوية مثل: أكرمك وإن [أهنتني] ومثل قوله عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
"نعم العبد [صهيب] لو لم يخف الله لم يعصه".
قوله: تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة. الاحتقال المبالاة أي إن كنت تتقي اللَّه وتبالي بالاستعاذة .
قوله: أو [فتستعذ] بتعويذي. هُوَ عَلَى صيغة الأمر من التعوذ .