قوله: (إهانة لهم وزيادة في غيظهم) إهانة لهم الخ. متعلق بقيل وهذا يؤيد كون
الْجُمْلَة ابتدائية غير عطف وجه الإهانة لزيادة عذابهم بضم العذاب الروحاني إليه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)
قوله:(عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر. [دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ] . عذاب
الآخرة) عذاب الدُّنْيَا فالْمُرَاد بالأدنى الدني الحقير بالنسبة إلَى العذاب في الْآخرَة
والأبعد في أن يراد الدنو أي القرب لأن عذاب الدُّنْيَا هُوَ الأقرب لكن الأول هُوَ الملائم
لقوله (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) ، وقَوْلُه تَعَالَى هنا (دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) .
قوله: (لعل من بقي منهم. [يَرْجِعُونَ] . يتوبون عن الكفر) لعل الخ. إذ الهالكون لا يتصور الرجوع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: إهانة لهم. أي قيل لهم هذا الْقَوْل إهانة لهم وزيادة في غيظهم ليزدادوا عذابًا. قَالَ ابن
الحاجب في الأمالي: لم أعيد ذكر النَّار مظهرًا ولم يستغن بالضَّمير لتقدم الذكر؟ فالْجَوَاب من وَجْهَيْن.
أحدهما أن سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وفي ظَاهر ذكر النَّار من ذلك ما ليس في
الضَّمير. والثاني أن الْجُمْلَة الواقعة بعد الْقَوْل حكاية لما يقال لهم يَوْم الْقيَامَة عند إرادتهم الخروج
من النَّار فلا يناسب ذلك وضع الضمير؛ إذ ليس قيل لهم هذا الْقَوْل مقدمًا عليه ذكر النَّار، وإنَّمَا اتفق
ذكر النَّاس قبلها إخبارًا عن أحوالهم. قال الطيبي: وفيه نظر لأن هذا الْقَوْل أيضًا داخل في حيز
الإخبار لأنه عطف عَلَى أعيدوا وهما مرتبان عَلَى كلما أي كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا
أعيدوا فيها. وقيل لهم ذوقوا فكما جاز الإضمار في الْمَعْطُوف عليه فما المانع في الْمَعْطُوف سوى
إرادة المُبَالَغَة من وضع المظهر مَوْضع المضمر. أقول: هذا النظر نشأ من عدم الفرق بين الحكاية
والمحكي فإن مراد ابن الحاجب أن هذا الْقَوْل وهو (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي [كُنْتُمْ] بِهِ تُكَذِّبُونَ)
إنما قيل لهم يَوْم الْقيَامَة ولم يسبق حِينَئِذٍ ذكر النَّار. قيل هذا الْقَوْل حتى يقتضي
سبق ذكر النَّار إضمارها عند الذكر ثانيًا، وكان المقام [حِينَئِذٍ] مقام الإظهار فحكى الله الآن ما يقال لهم؛ إذ
ذاك عَلَى صورته من غير تغيير. قال صاحب الكَشَّاف: قال هَاهُنَا(ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تُكَذِّبُونَ)، وقال في الأخرى (عَذَابَ النَّارِ الَّتي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) .
فذكر هَاهُنَا وأنث هناك؟ وسره أنه ذكر حملًا عَلَى العذاب دون النَّار لأن النَّار هَاهُنَا لما وضع مَوْضع
المضمر والمضمر لا يوصف لم يجز إجراء الذي عَلَى الْمُضَاف إليه دون الْمُضَاف. وفي تلك الآية
لم يجز ذكر النَّار في سياق الآية. فلم يقع النَّار موقع الضَّمير فوصف النَّار دون العذاب كما ذكره
الرَّاغب. أقول: عليه مع ظَاهر سنده ما قاله ابن الحاجب آنفًا. هذا ومعنى الخروج من النَّار قد مَرَّ في
سورة الحج في تفسير قوله: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا [مِنْ غَمٍّ] أُعِيدُوا فِيهَا)
حيث قيل يضربهم لهيب النَّار فيرميهم إلَى أعلاها فيضربون بالمقامع فيهوون فيها.
قوله: محنوا به. أي اختبروا وامتحنوا بعذاب الدُّنْيَا من السنة وهي عام القحط من القتل
والأسر.
قوله: يتوبون عن الكفر. أي نذيقهم عذاب الدُّنْيَا قبل أن يصلوا إلَى الْآخرَة إرادة أن يتوبوا أو
لبرحوا أن يتوبوا عن كفرهم فيؤمنوا بما جاءهم من الحق. وعن مجاهد الْمُرَاد من العذاب الأدنى