بالتشديد) هذا بناء عَلَى قراءة (موهِّن) بالتشديد أو عَلَى حامل الْمَعْنَى والتوهين التضعيف
والإبطال كما قال المص وإبطال حليهم لكن الظَّاهر الإبطال حاصل الْمَعْنَى .
قوله: (وحفص(مُوهِنُ) كَيْدِ بالإِضافة والتخفيف) وفهم منه أن الْمُصَنّف اختار قراءته
بالتَّنْوين والْأَعْمَال عَلَى الأصل لاعتماده عَلَى المبتدأ .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا
نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
قوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) الظَّاهر أن تستفتحوا حكاية الحال الْمَاضية ؛ إذ الاستفتاح وطلب
الفتح ماضوي، وأما اسْتعْمَال أن فبتقدير كان أي إن كان طلب الفتح منكم وكلمة أن لا
يتصرف في كان لقوة دلالته عَلَى المضي كذا أفاده العلامة التفتازاني في قَوْله تَعَالَى:(إِنْ
يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)الآية. وإنما استعمل كلمة الشك
مع أن الاستفتاح مقطوع به لأن المخاطبين نزلوا منزلة الشاكين لظهور خلاف مطلوبهم .
قوله: (فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) فيه اسْتعَارَة تبعية ؛ إذ المجيء من أحوال
الأجسام، والْمُرَاد بالفتح النصرة فقد جاءكم حيث نصر أعلاهما، وقد زعمتم أنكم الأعلى
والتهكم في المجيء أو (فَقَدْ جاءَكُمُ) الهزيمة والقهر فالتهكم في نفس الفتح حيث وضع مَوْضع
ما يقابله كذا قيل. والموافق لكلام الْمُصَنّف كون التهكم في نفس الفتح كما أوضحناه .
قوله: (خطاب لأهل مكة عَلَى سبيل التهكم) أي في قَوْله تَعَالَى:(فَقَدْ جاءَكُمُ
الْفَتْحُ)لأن الذي جاءهم الهلاك فنزل الهلاك منزلة الفتح وشبه به مع أنه
مضاد له لتنزيله منزلة المتناسب لواسطة التهكم فذكر الفتح وأريد الهلاك عَلَى طريق
الاسْتعَارَة التهكمية كقوله تَعَالَى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) .
قوله: (وذلك أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقَالُوا: اللهم انصر أعلى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى سبيل التهكم. قَالَ الإمام: في هذه الآية قَوْلَانِ:[الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ
وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، رُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ
وَأَحَقَّهُ بِالنَّصْرِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ أَيُّنَا كَانَ أَقْطَعَ لِلرَّحِمِ وَأَفْجَرَ، فَأَهْلِكْهُ الْغَدَاةَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ
الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى بَدْرٍ أَخَذُوا أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ وَقَالُوا اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ
وَأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَكْرَمَ الْحِزْبَيْنِ وَأَفْضَلَ الدِّينَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَةَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا أَيْ إنْ
تَسْتَنْصِرُوا لِأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَكْرَمِ الْحِزْبَيْنِ، فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ
الْقَضَاءُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ وَكَثْرَةَ عَدَدِهِمُ
اسْتَغَاثَ باللَّه، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَطَلَبَ مَا وَعَدَهُ اللَّه بِهِ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّه فَقَالَ:
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) وَالْمُرَادُ أَنَّهُ طَلَبَ النُّصْرَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِهَا الْوَعْدُ، فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ، أَيْ حَصَلَ مَا وُعِدْتُمْ بِهِ فَاشْكُرُوا
اللَّه وَالْزَمُوا طَاعَتَهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ:(فَقَدْ جاءَكُمُ
الْفَتْحُ)لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِينَ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَا الْفَتْحَ على البيات وَالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُفَّارُ] .