قَوْلُه تَعَالَى: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ(2)
قوله:(إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء
جلدتهم)والإنكار مُسْتَفَاد من السوق. قوله مما ليس بعجب إشَارَة إلَى وجه إنكار لتعجبهم. قوله
من جنسهم معنى منهم. وجه التعجب استبعاد منهم كون البشر رسولًا أو من أبناء جلدتهم أو من
نوعهم ومن قبيلتهم فإن أكثر الْأَنْبيَاء من قبيلة قومهم، والثاني أخص من الأول والجلدة هنا
مُسْتَعَار للنوع والقبيلة يقال: فلان أشعر أهل جلدته أي قبيلته وتَخْصيص الإنذار لأنه أهم.
قوله: (حكاية لتعجبهم) فحِينَئِذٍ عطف المفصل عَلَى المجمل وكقَوْله تَعَالَى:
(ونادى نوح ربه فقال رب) الآية. والعطف بالفاء لأن التَّفْصيل بعد الإجمال.
قوله: (وهذا إشَارَة إلَى اختيار الله مُحَمَّدًا للرسالة) أي لفظة هذا أو هذا إشَارَة إلَى
هذا ففيه لطافة. قوله إلَى اختيار الله محمدًا للرسالة مع أنه بشر والنَّبيّ لا يكون بشرًا بل
يجب أن يكون ملكًا أو أن رجلًا من القريتين أحق بذلك قال تَعَالَى:(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ
هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)وهذا الْقَوْل بناء عَلَى
الفرض وإلا فلا يعتقدون ذلك أو عَلَى اعتقاد المخاطبين، والمشار إليه جواب القسم
كأنه قيل: والْقُرْآن المجيد إنك لرسول منذر، وجوز في (ص) أن يكون إنه لمعجز أو
الواجب العمل به واختار هنا ذلك والإضراب للانتقال من وصف الْقُرْآن بالمجد إلَى
إبطال تعجبهم مما هُوَ واجب قبوله أو إضراب عَمَّا يفهم من وصف الْقُرْآن بالمجد كأنه
قيل ليس سبب امتناعهم من الإيمان بالْقُرْآن أن لا مجد له بل لجهلهم كذا قيل. ولا
يخفى ما فيه من الخلل فتأمل فيه قبل للترقي.
قوله: (وإضمار ذكرهم) حيث قيل: (عجبوا) الآية. بدون سبق ذكر لظهور
أن العجب مما يجب اعتقاده لا يكون إلا من الْكَافرينَ فهم مذكورون حكمًا.
قوله: (ثم إظهاره للاشعار بتعنتهم بهذا المقال، ثم التسجيل على كفرهم بذلك) حيث
قيل فقال الكافرون مع أن العكس يرى أنه الأولى للإشعار الخ. نكتة الإظهار في موضع
الإضمار وهي التسجيل عَلَى كفرهم وبيان سبب مقالهم ظاهرة، وأما كون الإضمار مشعرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهذا إشَارَة إلَى اختيار الله تَعَالَى محمدًا للإنذار والرسالة قَالُوا ذلك بعدما أخبرهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه رسول اختاره الله للرسالة.
قوله: وإضمار ذكرهم. أي إضمار ذكر الْكَافرينَ في (بَلْ عَجِبُوا [أَنْ جَاءَهُمْ] ) ومنهم
مع أنهم لم يجرد ذكرهم قبله للإشعار بأنهم متعينون بهذا المقال وهو قولهم:(هذا شيء
عجيب)قصدًا به إنكار الرسالة وإنكار البعث والحياة الثالثة في النشأة الْآخرَة فلكونهم
متعينين بهذا الْقَوْل استغنى عن التصريح بذكرهم فاكتفى بالكناية عنهم بالضَّمير وإظهاره بقوله:
(فقال الكافرون) فالمقام مقام الإضمار لجريان ذكرهم للتسجيل بكفرهم ولو قيل: فقَالُوا
هذا شيء عجيب فاتَ معنى التسجيل.