تطير من يد لامس ومس أحد بل تأنس معهم. والغيل والسند موضعان والْمُؤْمن مضاف إلَى
العائذات إضافة لفظية فلا يضره اللام والطير الْمَذْكُور الذي يفسره الْمَحْذُوف بدل منها وقد
مر أنه لا ينافي كونه مفسرًا. قيل ومن جوز تقديم الصّفَة عَلَى مَوْصُوفها جعله صفة للطير
الْمَذْكُور ولا يحتاج إلَى مضمر لكنه مذهب [رديء] .
قوله: (باعْتبَار الإضمار والإظهار) أشار به إلَى أن التَّأْكيد حاصل مرتين مرة بـ غرابيب
ومرة أخرى بالسود مع ما فيه من الإبهام أولًا والتَّفْسير ثانيًا وفيه زيادة تقرير .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
قوله: (كاخْتلَاف الثمار والجبال) هذا تفسير كَذَلكَ لأنه في محل نصب صفة مصدر
مقدر أي اخْتلَافًا مثل اخْتلَاف الثمار والجبال، ولما كان اخْتلَاف الثمار والجبال معروفًا
لتداول الثمار بين الأنام ورؤية الجبال جعلت مشبهًا به وما سبق من اخْتلَاف أحوال النَّاس
فإنما هُوَ من جهة الاعتقاد والْأَعْمَال وسائر الأحوال .
قوله: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) أي ما يخشاه إلا العلماء واخْتيرَ إنما
لأن الحكم المستعمل هُوَ فيه مما من شأنه أن لا يجهله المخاطب ولا ينكره .
قوله: (إذ شرط الخشية معرفة المخشى والعلم بصفاته وأفعاله) أشار به إلَى أن الْمُرَاد
من العلماء من يعلم صفاته الذاتية والفعلية وصفاته السلبية والثبوتية وأفعاله أي يعلم أن ما
كان في العالم كله مخلوقًا له تَعَالَى جواهرًا كان أو عرضًا فعل العبد والحيوانات كلها فعل
الله تَعَالَى، والْمُرَاد بأفعاله الحاصل بالمصدر لا من يعلم دقائق الفنون الشتى. نعم العلم
بصفاته وأفعاله يتوقف عَلَى علوم كثيرة وفنون عديدة فتأمل وكن عَلَى بصيرة. الأولى علم
المخشي بدل معرفة المخشى .
قوله:(فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ «إني أخشاكم لله
وأتقاكم له»)فمن كان أعلم به أي بالْمَذْكُور من الصفات والأفعال الخ. نبه به عَلَى أن العلم
والخشية من الكلي المشكك يتفاوت أفرادهما قوة وضعفًا ؛ إذ التصديق عند المحققين يقبل
الشدة والضعف وكذا الخشية المترتبة عليه والزّيَادَة في العلم إما بحسب الكيفية وهو
الْمُتَبَادَر أو بحسب الكمية أو بحسبهما. قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"وأتقاكم"إشَارَة إلَى أن فَائدَة الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ «إني أخشاكم لله وأتقاكم له» روي عن عطاء قال: قال مُوسَى يا
رب أي عبادك أخشى؟ قال أعلمه بي؟. وفي الْحَديث أعلمكم باللَّه أشدكم خشية. وعن مسروق: كفى
بالمرأ علمًا أن يخشى، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه. وقال رجل للشعبي: أفتني أيها[العالم؟
فقال] [1] العالم من خشي
الله. وقيل نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.
[1] سطران مكرران في الكتاب المطبوع تم حذفهما. اهـ (مصحح نسخة الشاملة) .