قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ
هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
قوله: (لامتناع قبوله حِينَئِذٍ ولذلك قال: فَلَمْ يَكُ بمعنى لم يصح ولم يستقم) لامتناع
قبوله امتناعًا بالغير لأنه قضى أن إيمان اليأس لا يقبل فيكون ممتنعًا بسَبَب القضاء كما أشار
إليه بقوله (سنة الله) الآية.
قوله: (والفاء الأولى لأن قوله: فَما أَغْنى كالنتيجة لقوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، والثانية
لأن قوله: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) كالتَّفْسير لقوله: (فما أغنى عنهم)
والفاء الخ. شروع في بيان الفاءات الأربع الأولى فاء فما أغنى نبه عليه
لأنه فاء النتيجة كما بينه، والثانية أي الفاء تفسيرية لأن قوله (فلما جاءتهم) كالتَّفْسير لقوله
فما أغنى لأن عدم الإغناء مبهم ومجمل والتَّفْسير بعد الإبهام كالتَّفْصيل بعد الإجمال
ولما كان التَّفْسير غير صريح قال كالتفسير كما قال في الأول كالنتيجة لأنه عكس
الغرض ونقيض المطلوب لكن لما ترتب عليه نزل منزلة الغرض والنتيجة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذلك قَالَ (لم يك) أي ولأجل امتناع قبول إيمانهم حِينَئِذٍ قال (لَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ) دون لم
يَنْفَعُهُمْ فإن الأول أبلغ من الثاني لأن معنى لم يك من لم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم عَلَى ما
مر في تفسير (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) قال صاحب الانتصاف: فَائدَة دخول كان المُبَالَغَة في نفي الْفعْل
الداخلة هي عليه بتعديد جهة نفيه عمومًا باعْتبَار الكون وخصوصًا باعْتبَار النفع مثلًا فهو نفي مرتين. وقال
الطيبي تفسيره بلا يصح ولا يستقيم وارد من جهة تسليط النفي عَلَى الكون المتضمن للفعل المنفي كأنه
قيل: هذا الْفعْل من الشئون التي عدمها راجح عَلَى الوجود فإنها من قبيل المحال.
قوله: والفاء الأولى إلَى آخره. يريد بيان معاني الفاآت الأربع التي في (فما أغنى) و (فلما جاءتهم)
و (فلما رأوا بأسنا) و (فلم يك ينفعهم إيمانهم) وتحقيق ما ذكره أن انتفاء إغناء كسبهم كالنتيجة لما قبله
من كثرتهم وشدتهم قوة وآثارًا وكونه كالنتيجة له من حيث إن ذلك كله أدى إليه فهو عاقبته وثمرته
كما أن النتيجة عاقبة المقدمتين وثمرتهما، وتمام التحقيق أنه كالنتيجة له لكن عَلَى القلب يعني
اجتمعوا وتحشدوا مع قوة أجسادهم وحصلوا ما زاد في قوتهم من المال والمنال وما يلجؤون إليه
من الحصول والمصانح ليغنيهم إذا خربهم أمر الإغناء التام فانقلب التدبير عليهم( [فَمَا] أَغْنَى
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ولما كان مرتبة نتيجة الشيء التأخّر عنه فيه ناسب الفاء الموضوعة للتعقيب
والترتيب، ولما كان قوله: (فلما جاءتهم) إلَى قَوْله: (يستهزئون)
كالتَّفْسير لعدم إغناء كسبهم عنهم وكان المفسر يقتضي التأخّر عن المفسر ناسب أن يدخله الفاء
المفيدة للتعقيب والتأخّر، ولما كان إحاطة العذاب بهم سببًا لأن يقولوا (آمنا باللَّه وحده) ناسب ذلك
أن يدخل الفاء السببية في قوله (فلما رأوا بأسنا) الخ. ولما كان إيمانهم وقت مشاهدة البأس سببًا
لانتفاء نفع إيمانهم حِينَئِذٍ لكونه إيمانًا بأسًا ناسب أن يحمل الفاء في (فلم يك ينفعهم إيمانهم) عَلَى
معنى السبب أَيْضًا. والحاصل أن الفاءين [الأوليين] للتعقيب والترتيب والفاءين الأخيرتين للتسبيب
وفي الفاء التسببية معنى الترتيب أَيْضًا لكن مع إشعار أن ما قبلها سببًا لما بعدها وليس في الأوليين
هذا الإشعار. وفي الكَشَّاف: فإن قلت: كَيْفَ ترادفت هذه الفاءات؟ قلت أما قوله: (فما أغنى عنهم)