معاصيهم عنده تَعَالَى مع الإشارة إلَى أن ما صدر منهم من إنكار ما يجب اعتقاده والبغي
في العمل كلها مضبوطة عنده تَعَالَى وكفرهم ليس بمنحصر في تَكْذيب الآيات وإنكار
الحئر والحساب من كان إنكار الآيات مستلزم لإنكار سائر المعتقدات وذكر إنكار الْقيَامَة
بعده للاهتمام بشأنه فعلم ما ذكرناه أن هذه الْجُمْلَة كما تكون اعتراضية تكون تذييلية لما
عرفت من أنها مقررة لما قبلها وقوله:
قَوْلُه تَعَالَى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا(30)
قوله: (فَذُوقُوا) الأمر للتهكم والذوق اسْتعَارَة؛ إذ أصله إدراك الطعوم فاتسع واستعمل
لسائر إدراك المحسوسات والحالات. وقد مَرَّ تَوضيحُهُ في أواخر سورة آل عمران.
قوله: (مسبب عن كفرهم بالحساب وتَكْذيبهم بالآيات) مسبب الخ. أي الفاء للسببية
داخلة عَلَى المسبب، والْمُرَاد بالمسبب الأمر بالذوق أو الذوق نفسه وهما متلازمان عن
كفرهم الخ. وقد عرفت أنهما مستلزمان لسائر الكفريات والسيئات ولا يحسن ارتباطه بقوله:
(لا يذوقون فيها) الخ. عَلَى معنى أنه أي إذا ذاقوا الحميم فيقال لهم ذوقوا الخ.
لأن ذوق الحميم والغساق لا يكون سببًا لزيادة العذاب فالسبب كفرهم وعصيانهم. قال
المص في أواخر سورة الفرقان: ومضاعفة العذاب لانضمام المعصية إلَى الكفر، وكذا زيادة
العذاب لذلك الانضمام، فلا إشكال بأن جزاء السيئة مثلها فما معنى الزّيَادَة وترك الزّيَادَة في
ابتداء العذاب للترقي في العذاب كما هُوَ عادة الملوك في بعض الأوقات ولبعض
الأشخاص وليس هذا الترك إحسانًا حتى يكون إيقاعه بعده رجوعًا عن الإحسان.
قوله: (ومجيئه عَلَى طريقة الالْتفَات للمُبَالَغَة) الالْتفَات من الغيبة إلَى الخطاب
للمُبَالَغَة في التهديد؛ إذ الخطاب وقت الغضب والإهانة يفيد زيادة التقريع والتوبيخ والمُبَالَغَة
في الإهانة والتحقير كما أن الخطاب وقت اللطف لزيادة التعظيم ونهاية التَّفْخيم ومثل هذا
موكول إلَى القرينة. قيل ولو قدر الْقَوْل فيه لم يكن التفاتًا فيكون عدم تقدير الْقَوْل مختار
المص لكن ارتباطه إلَى ما قبله غير ظَاهر وتقدير الْقَوْل أظهر. أي فيقال لهم في دار العقاب
(ذوقوا) الخ. إلا أن يقال إن الْكَلَام الْمَذْكُور بطَريق الغيبة في يوم الفصل
فيرتبط بما قبله من قوله: (إن جهنم كانت مرصادًا) الآية.
قوله: (وفي الْحَديث «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار) في ثبوته كلام لابن
حجر. والظَّاهر أنها أشد لو اطلعوا عليها مع أذن واعية. هذا إن أريد أشديته في الدُّنْيَا كما هُوَ
الظَّاهر، وإن أريدت في الْآخرَة فالأمر واضح لكن لا يظهر وجهه. وجه الأشدية أن (لن) تفيد
التَّأْكيد مع حصر الزّيَادَة عَلَى العذاب، وفيه إقناط عن تخفيف العذاب فضلًا عن التنفس في
وقت ما، وأَيْضًا فيه إظهار كمال المقت والغضب من جانب أرحم الراحمين مع أن حالهم
تقتضي الترحم.