عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ
مُبِينٍ (3)
قوله: (إنكارًا لمجيئها) يعني أن ظَاهر هذا الْقَوْل عدم إتيان الساعة لهم ولا يلزم منه
إنكار مجيئها رأسًا لكن الْمُرَاد بضمير المتكلم جميع النَّاس طرًا لا أنفسهم فقط أو
معاصريهم بقرينة إنكارهم كما نقل عنهم في مَوْضع آخر كقَوْله تَعَالَى:(إن هي إلا حياتنا
الدُّنْيَا وما نحن بمبعوثين)وقولهم: (أئذًا متنا وكنا ترابًا) .
الخ. ولذا قال الْمُصَنّف إنكارًا لمجيئها وإنكار مجيئها إنكار وجودها ضرورة ولم يقولوا لن
نبعث مثلا لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها ولذا نفوا بإتيانها .
قوله: (أو استبطاء اسْتهْزَاء بالوعد به) فيكون مآله الإنكار أَيْضًا كقولهم(متى هذا
الوعد)لكن الاستبطاء لما لم يكن من هذا الْكَلَام ظاهرًا ظهوره من(متى هذا
الوعد)أخره مع أنه يناسب تعبيرهم بضمير التَّكَلُّم أو الاستبطاء لما كان [حِينَئِذٍ]
مَجَازًا عن النفي مع إمكان الْحَقيقَة أخّره (رد لكلامهم وإثبات لما نفوه) .
قوله: (تكرير لإيجابه مؤكدًا بالقسم) لإيجابه أي لإثباته المُسْتَفَاد من (بلى)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: استهزاء. مَفْعُول له لاستبطاء .
قوله: رد لقولهم وإثبات لما نفوه. أي قوله عز وجل: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) .
رد لقولهم: (لا تأتينا السَّاعَة) وإثبات لما نفوه وهو إتيان الساعة بكلمة الإيجاب التي
هي لفظة (بلى) أي هُوَ رد للنفي وإثبات للمنفي .
قوله: تكرير لإيجابه مؤكدًا بالقسم مقررًا لوصف المقسم به بصفات [تقرر إمكانه] . معنى
التكرير أنه إيجاب بعد إيجاب فالإيجاب الأول هُوَ إيجاب إتيان الساعة بكلمة بلى، والإيجاب الثاني
هو إيجابه بعد كلمة بلى بقوله: (لتأنينكم) مؤكدا بما هُوَ الغاية في التوكيد والتشديد
وهو التوكيد باليمين باللَّه عز وجل ثم أمد التوكيد القسمي إمدادًا بما اتبع المقسم به من الوصف
بما وصف به إلَى قَوْله: (ليجزي) لأن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم
عليه وشدة ثباته وتقرره واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد عَلَى الأمر وكلما كان المستشهد به أعلى
كعبًا وأبين فضلًا وأرفع منزلة كانت الشَّهَادَة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ. قال صاحب
الفرائد: اقتضى المقام اليمين لأن من أنكر ما قيل له فالذي وجب أن يقال بعد ذلك إذا أريد إعادة
الْقَوْل أن يكون مقترنًا باليمين، وإلا كان خطأ بالنظر إلَى علم الْمَعَاني، وإن كان صحيحًا بالنظر إلَى
العربية والنحو وما ذكر من أن عظمة المقسم به تؤذن عظمة حال المقسم عليه مستقيم فلو وصف
بغير هذا الوصف مما يقتضي العظمة كان كَذَلكَ، وأما الوصف الْمَذْكُور فلأن إنكارهم البعث باعْتبَار
أن الأجزاء المتفرقة المنتشرة يمتنع اجتماعها كما كان يدل عليه قَوْلُه تَعَالَى:(قد علمنا ما تنقص
الْأَرْض منهم)الآية. فالوصف بهذه الأوصاف رد لزعمهم واستحالتهم وهو أن من كان
علمه بهذه المثابة كَيْفَ يمتنع منه ذلك. تم كلامه. وقد أحسن وأجاد رحمه الله. وفي الكَشَّاف: فإن
قلت: الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان وأقسم عليهم جهد
القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبا كيف تكون مصححة لما أنكروه؟ قلت: هذا لو
اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة والبينة الساطعة وهي قوله (لِيَجْزِيَ) فقد