كما قال وإثبات لما نفوه من كذا بالقسم وهو قوله: (وَرَبِّي) لفظ الرب هنا أوقع من
سائر الأسماء؛ إذ إتيان الساعة من آثار التَّرْبيَة.
قوله: (مقرر الوصف الْمَعْنَىم به بصفات) المقسم به وهو الرب كما عرفته بصفات
وهو علم الغيب وعدم خروج شيء من علمه وجزاء الْمُحْسِنِينَ وفيه إشَارَة إلَى أن إضافة
العالم إلَى الغيب معنوية لدلالته عَلَى الدوام والثبوت فيكون صفة مدح ولذا رَجَّحَ كونه
صفة عَلَى كونه بدلًا أو عطف بيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وضع الله في العقول وركب في الغرائز وجوب الجزاء، وأن المحسن لا بدّ له من ثواب، والمسيء لا
بد له من عقاب وقوله: (ليجزي) متصل بقوله: (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) تعليلا له. قال
صاحب الفرائد: كلامه مشعر بأن اليمين لم تكن مصححة فوجودها وعدمها سواء في التصحيح
والتصحيح إنما يكون بالحجة القاطعة فلزم أن لا فَائدَة في اليمين هَاهُنَا، وهذا مما لا سبيل إليه وقد
مر أن إعادة ما قيل بعد الإنكار لا بد من أن يكون مقترنًا بالقسم وإلا كان خطأ بحسب الْمَعَاني
فلما أوجبت الْحكْمَة الإعادة وجب اقترانها بالقسم سواء كان القسم مصححًا لما أنكروه أو غير
مصحح. وقال الطيبي رحمه الله: والعجب من هذين الفاضلين كَيْفَ ذهلا عن جدوى هذه اليمين
وجليل عائدتها في هذا المقام فإنهم جربوه - صلى الله عليه وسلم - ولم يشاهدوا منه إلا الحق ولم يسمعوا غير الصدق
ولهذا سموه بالأمين وما كان تَكْذيبهم إلا عن عناد ومكابرة وحسد يدل عليه ما أورده في الأنعام
عند قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) عن أبي
جهل والله إن مُحَمَّدًا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء إلَى آخره. وفي حم عند
قَوْلُه تَعَالَى: (أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) وعن عتبة بن ربيعة وقد
علمتم أن مُحَمَّدًا إذا قال شَيْئًا لم يكذب إلَى غير ذلك، فأتى أولًا بالنص القاطع المقرر بالقسم
المعنون بالوصف الْمُنَاسب وعقبه بالبرهان الساطع بلو لبيان تقريرًا بعد تقرير وأنك إذا أمعنت النظر
وجدت جل الْإقْسَام التنزيلي غير مقترن بشيء من الحجة وكان ذكر الحجة هَاهُنَا كالتتميم للنص
والمتنوع عَلَى الأصل، وإنَّمَا اقتضى هذا التوكيد وهو إتيان بلى وإعادة قوله: (لتأتينكم) .
ثم الْإقْسَام عليه ثم في اتباعه بالوصف الْمُنَاسب ثم انضمام البرهان مع ذلك أنه تَعَالَى افتتح
هذه السُّورَة الكريمة بذكر الحمدين الجامعين ورتب عليه الحمد في الْآخرَة عَلَى نعمة الثواب
فأذن بأن القصد في خلق السَّمَاوَات والْأَرْض إلا المعرفة والْعبَادَة ثم جزاء المحسن العارف
العابد وعقاب المسيء المعاند لقَوْله تَعَالَى:(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ)ولهذا استبعد استبعاد من يكفر بذلك حَيْثُ عطف(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا
تَأْتِينَا السَّاعَةُ)عَلَى ما قبله كقَوْله تَعَالَى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)فاقتضى المقام
لذلك أن يؤكد الْكَلَام بكل ما أمكن من المؤكدات فجيء أولًا بـ بلى تقريرًا ثم أعيد ما أنكروه تمهيدًا
ثم أقسم عليه باسمه ووصف بما يناسب الْجَوَاب تنصيصًا ثم ختم ذلك بالبرهان تتميمًا وإيذانًا بقصور
فهمهم عن إدراك النص القاطع وينصره قول الإمام: وعندي أن الدليل الْمَذْكُور في قوله:(عَالِمِ
الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)لظهر، وذلك أنه إذا كان عالمًا بجميع الأشياء يعلم أجزاء
الأحياء ويقدر عَلَى جمعها فالساعة ممكنة القيام والصادق قد أخبر عنه فتكون واقعة والله أعلم.