حيث شاءوا إشَارَة إلَى فَائدَة قوله: (تجريان) إذ العين لا تكون إلا
جارية. وفيه نظر بل الظَّاهر التعميم لأن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس. قوله:(فيهما
عينان نضاختان)يؤيد عدم اشتراط الجريان في العين. قال أبو بكر
الوراق: (فيهما عينان تجريان) لمن كانت عيناه تجريان في الدُّنْيَا من مخافة الله تَعَالَى، وهذا
لا يلائم قوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فإنه عام لمن بكى
وغيره. وقيل تجريان من جبل من مسك. وعن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنه - والحسن
رحمه الله تجريان بالماء الزلال [إحْدَاهُمَا] التسنيم والآخر السلسبيل، والتَّخْصِيص خلاف
الظَّاهر ولذا مرضه الْمُصَنّف لأن للخائفين مراتب متفاوتة يثابون بحسب مراتبهم في
الخوف والْأَعْمَال فعيناهم متفاوتة أَيْضًا ومن هذا قال تَعَالَى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ(27) عَيْنًا
يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) . والتسنيم علم لعين بعينها سميت تسنيمًا
لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها كما أن العين سميت سلسبيلًا لانحدارها في الحلق
وسهولة مساغها.
فود تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)
قوله: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ) من كل صفة أخرى [لـ جنتان] (مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ) تصريح بما
علم التزامًا لأنه قد مَرَّ أن كونهما (ذواتا أفنان) أي أنواع من الأشجار
مستلزم لكون فاكهة فيهما.
قوله: (صنفان غريب ومعروف، أو رطب ويابس) أى الزوج هنا بمعنى الصنف لا
بمعنى مقابل الفرد؛ إذ لا فَائدَة ولا مدح في إخباره.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى
الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)
قوله:(من ديباج ثخين وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر، ومُتَّكِئِينَ مدح
للخائفين أو حال منهم)مدح للخائفين. أي منصوب بالْفعْل نحو أمدح أو حال منهم والأول
أولى لأن كون الجنتين للخائف ليس بمقيد بهذه الحال. وأشار بتقديم الأول إلَى ذلك وأيضًا
الخوف في الدُّنْيَا والاتكاء في الجنة فَكَيْفَ المقارنة والْقَوْل بأن الخوف باق فيها بعيد إلا أن
يقال إن أثره باق فيها فيكفي هذا في المقارنة، ولا يخفى ضعفه والأول هُوَ المعول. وقيل
عامله مَحْذُوف أي يتنعمون متكئين وجملته اسْتئْنَاف لا حال.
قوله: (لأن من خاف في معنى الجمع) فإن (مَنْ) مِن ألفاظ العموم فهو مفرد لفظًا ولذا
جاء صلته مفردًا وجمع معنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وكذا ما جاء مثنى بعد (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أي الخطاب في
ربكما وفي تكذبان للفريقين اللذين هما الثقلان الإنس والجن.