العلم مسلك من استدل عَلَى علمه تَعَالَى بما في المخلوقات من الإتقان والأحكام والنمط
البديع والانتظام، والبعض من الْمُتَكَلّمينَ استدلوا عليه بأنه فاعل بالاختيار وهو يقتضي العلم
حتى فرقوا بين الخلق والكسب بأن الأول يقتضي العلم تفصيلًا، والثاني يكفي فيه العلم
الإجمالي فدلالة المخلوقات عَلَى علمه تَعَالَى أولًا وبالذات كالقدرة فلا يتم ما ذكره إلا أن
يقال كلام الْمُصَنّف بناء عَلَى المسلك الأول فتأمل، وَأَيْضًا يعارض ما ذكره كون تعلق العلم
بالمخلوقات مقدمًا عَلَى تعلق القدرة بها لأنها تابعة للإرادة وهي تابعة للعلم، فالأَولى أن
يقال إن القدرة تناسب التسبيح فإنه التنزيه عن العجز وهو لا يكون إلا بالقدرة التامة.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(5)
قوله: (أيها الْكُفَّار) خص الخطاب بالْكُفَّار بقرينة قوله: (نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا)
مع أنه وعدٌ بأن ما أصابهم يصيبكم مثله ففيه تلوين الخطاب، والاسْتفْهَام لإنكار النفي وتقرير
المنفي أي قد أتاكم ولكنكم لم تتعظوا به (كقوم نوح وهود وصالح عليهم السلام) .
قوله: (ضرر كفرهم في الدُّنْيَا) متعلق بـ ذَاقُوا بقرينة قوله: (ولهم عذاب أليم)
أي في الْآخرَة كما قاله المص.
قوله: (وأصله الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل المطر الثقيل القطار)
وأصله أي أصل الوبال الثقل فاسْتُعيرَ للضرر والعذاب بجامع الثقل المطلق فهو في المشبه
به حسي وفي المشبه معنوي (ولهم عذاب أليم) (في الْآخرَة) .
قوله تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى
اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)
قوله: (أي الْمَذْكُور من الوبال والعذاب) إشَارَة إلَى وجه إفراد ذلك مع تعدد المشار
إليه وصيغة البعد للتفخيم.
قوله: (بسَبَب أن الشأن. [كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ] . بالمعجزات) بسَبَب أن الشأن أي الباء سببية والضَّمير للشأن
وسبب ذلك قد علم من قوله: (الَّذينَ كَفَرُوا) إذ تعلق الحكم بالمشتق يفيد
عليه مأخذ الاشْتقَاق؛ إذ الْمُرَاد بالنبأ ذوق الوبال وشدة النكال فهذا تصريح بما علم التزامًا
وتفصيل لما أجمل أولًا والباء في بالْبَيّنَات للتعدية أو للملابسة.
قوله: (أنكروا وتعجبوا أن يكون الرسل بشرًا والبشر يطلق للواحد والجمع) أنكروا
أي الهمزة الاستفهامة للإنكار الوقوعي والتعجب منفهم من عرض الْكَلَام، ولذا ذكره بالواو
والبشر لكونه اسم جنس يطلق الخ. والْمُرَاد الجمع بقرينة (يهدوننا) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والبشر يطلق للواحد والجمع. هذا تأويل لرجع ضمير الجمع في (يهدوننا) إلَى البشر
وهو مفرد اللَّفْظ.