السلام هل بين أنها سورة مستقلة أو جزء من سورة الأنفال، وأما في الوجه الثاني فلم يبين
الشارع بل الترتيب لمن تصدى لجمع الْقُرْآن كما أوضحناه آنفًا، وبهذا ظهر الفرق بين
الوَجْهَيْن الأخيرين. قوله والطُّوَل بضم الطاء وفتح الواو هي من البقرة إلَى الأعراف والسابعة
سورة يونس أو الأنفال وبراءة عَلَى الْقَوْل بأنهما سورة واحدة. كذا في القاموس وفي بعض
النسخ طِوال بوزن رجال وهما بمعنى واحد.
قوله: (تركت بَيْنَهُمَا فرجة ولم تكتب) رعاية للجانبين ترك الفرجة رعاية لكونهما
سورتين وعدم كتب الْبَسْمَلَة رعاية لكونهما سورة واحدة؛ إذ لا يكتب في خلال السُّورَة
الْبَسْمَلَة أما ترك الفرجة بَيْنَهُمَا في الوجه الأول فظاهر، وأما في الوجه الثاني فللاشتباه في
الاستقلال وعدمه فروعي كلا الاعتبارين. فإن قيل: ما حكمها شرعًا؟ قلنا الحكم فيها استحباب
تركها، وأما الْقَوْل بحرمتها ووجوب تركها كما نقل عن بعض مشايخ الشَّافعية فليس بثابت.
قَوْلُه تَعَالَى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1)
قوله: (أي هذه براءة و(مِنْ) ابتدائية متعلقة بمَحْذُوف) لا صلة براءة كقولك برأت من
الدين وكقَوْله تَعَالَى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فإن فيها فساد الْمَعْنَى
(تقديره واصلةٌ من الله ورسوله) .
قوله: (ويجوز أن تكون براءة مبتدأ لتخصصها بصفتها) وإنَّمَا زيفه لأن المخاطب لم
يعهد عنده براءة صادرة من الله تَعَالَى حتى يخبر عنها بأنها واصلة إلَى الْمُشْركينَ، فالأولى
كونها خبرًا حتى تكون معلومة عند المخاطب. قال النحرير في المطول يجب علم المخاطب
بالنسبة التَّقْييدية انتهى. فعلى هذا لا يجوز أن تكون براءة مبتدأ مَوْصُوفًا بصفة فإنها من
النسبة التَّقْييدية مع أنها غير معلومة فحِينَئِذٍ إما أن يدعي معلوميتها عَلَى فرض كونها مبتدأ
وأن لا يسلم قول النحرير الْمَذْكُور.
قوله: (وَقُرئَ بنصبها عَلَى اسمعوا براءة) فيكون جملة فعلية فيفوت التَّأْكيد المُسْتَفَاد
من الْجُمْلَة الاسمية، ولعل لهذا أخَّره وهذه القراءة قرأ بها عيسى بن عمرو كما قيل.
قوله: (والْمَعْنَى) أي وحاصل الْمَعْنَى (أن الله ورسوله) .
قوله: (بريئان) قيل إشَارَة إلَى أن فيه معنى التجدد والحدوث انتهى. أي المَوْضع هنا
مَوْضع الْفعْل فعدل عنه إلَى الاسمية للتأكيد لكن الأولى يبرئان للتنبيه عَلَى الاسْتمْرَار؛ إذ
كون السبب خاصًا لا ينافي عموم الحكم دعم المناسب للمحل الْمَاضي.
قوله: (من العهد) لفظة من هنا كهي في قولك برأت من الدين. وفي الكَشَّاف: وقرأ أهل
النجدان منِ الله بكسر النون والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته انتهى. وفي الجاربردي
كوجوب الفتح في نون من مع لام التعريف لكثرة الاسْتعْمَال فلو كسروا لاجتمع كسرتان فيما
هو كثير الاسْتعْمَال والكسر ضعيف عكس من ابنك؛ إذ لم يكثر كثرته فلذا ضعف فيه الفتح