قَوْلُه تَعَالَى: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(15)
قوله: (أي مثل الْيَهُود كمثل أهل بدر) أشار به إلَى أن كمثل الَّذينَ خبر لمبتدأ
مَحْذُوف وهو مثل الْيَهُود كمثل أهل بدر في الخزي والهلاك.
قوله: (أو بني قينقاع) بفتح القاف بعدها ساكنة وتثليث النون بعدها قاف فألف وعين
قوم من الْيَهُود الَّذينَ كانوا حول المدينة.
قوله: (إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير) فحِينَئِذٍ يكون مثل بني النضير وهم شعب
من فرقة الْيَهُود مشبهًا بمثل بني قينقاع وهم أَيْضًا قوم من الْيَهُود، والْمُرَاد بالمثل حالهم
العجيبة وهي الإخراج عن أوطانهم في الاحتمال الثاني والقتل في الْمَعْنَى الأول، لكن قتل
بني النضير غير منقول فالتشبيه في مطلق ذوق العذاب. نقل عن ابن سيد النَّاس أنه قال: غزوة
بني قينقاع كانت يوم السبت عَلَى رأس عشرين شهرًا من الهجرة في شوال، وغزوة بني
النضير عَلَى رأس خمسة أو ستة وثلاثين من وقعة أُحد، وأُحد كانت عَلَى رأس اثنين وثلاثين
شهرًا من الهجرة. ولم يحك غير هذا فيكون قبل النضير بلا كلام فقوله إن صح ليس بظَاهر
انتهى. ولما لم يعتمد عَلَى ما ذكر في كتب التواريخ والسير لأنهم يَكْتُبُونَ السمين والسقيم
كما قاله القاضي عياض في الشفاء. قال الْمُصَنّف إن صح.
قوله: (أو المهلكين من الأمم الْمَاضية) أخَّره لعدم ملائمته لقوله قريبًا لكن القرب
لكونه إضافيًا جوزه مع ضعفه.
قوله: (أي في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل) وانتصابه أي
انتصاب قريبًا بمثل لأنه بتقدير مضاف أشار إليه بقوله: إذ التقدير كوجود مثل أي بمعونة
المقام؛ إذ المثل من الحوادث الموجودة فإضافة الصّفَة إلَى الْمَوْصُوف أي المثل الموجود
فالْمَعْنَى مثل الْيَهُود الموجود فيما سيأتي كمثل الَّذينَ من قبلهم الموجود في الزمان الْمَاضي
قريبًا، ولكونه معروفًا لوجوده جعل مشبهًا به.
قوله: (ذاقوا وبال أمرهم لسوء عاقبة كفرهم في الدُّنْيَا) ذاقوا فيه اسْتعَارَة تهكمية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل. يعني أن ناصب الطروف لا بد أن يكون فعلًا أو
معنى فعل، والمثل وإن كان في الأصل مصدرًا لكن الْمُرَاد به هنا الحاصل بالمصدر وهو في حكم
الجامد، وأَيْضًا لو كان قريبًا منصوبًا بمثل يلزم أن يسمى حال هَؤُلَاء الْمَاضين في زمانهم بمثل وليس
كَذَلكَ بل حالهم إنما كانت مثلًا لمن بعدهم بعد هلاكهم وانقراضهم، فالواجب أن يقدر لانتصابه
مصدر مضاف إلَى المثل كوجود مثل أي كوجود مثل أهل بدر قريبًا وفي العامل فيه ذاقوا. والْمَعْنَى
ذاقوا وبال أمرهم قريبًا أي عن قريب.
قوله: سوء عاقبة كفرهم. فسر الوبال بسوء العاقبة لأنه من قولهم: [كلأ] وَبِيلٌ: أي وخيم سيئ.
العاقبة. قال الراغب: الوَبْلُ والْوَابِلُ: المطر الثّقيل. قيل للأمر الذي يخاف ضرره وبال يقال طعام وبيل
[وكلأ وَبِيلٌ: يخاف] وباله.