خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به وإن لم يستبيحوا بقرينة المقابلة ظاهره أن
عذابهم مؤبد وقد عرفت أنه خلاف مذهب أهل السنة، ويحتمل أن العذاب غير مؤبد لكنه
مع فرط الشدة بحسب الكيفية ثم أيد ذلك بقوله ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - لا توبة له.
أي لا تقبل توبته أو لا يوفق للتوبة، ولعل مراده التغليظ لا حقيقته جمعًا بين النصوص؛ لأن
التَّوْبَة المقرونة بشرائطها مقبولة من كل مذنب كفرا أو قذفا أو غير ذلك. نعم إنه لا توبة
لبعض المذنبين كالزندقة والسبب في أحكامه الدُّنْيَا، ولا كلام فيه والْكَلَام في أحكام
الْآخرَة والتَّوْبَة النصوح مقبولة مجزومة كانت أو مرجوة بالنسبة إلَى الْآخرَة نص عليها
العلماء برمتهم، والتَّقْييد بالاستباحة غير صحيح هنا لأن كل قذف كَذَلكَ كما تقدم
والتَّخْصِيص بقذف أزواج النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لا سيما بقذف عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - لا
وجه له حِينَئِذٍ.
قول: (ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها) تأييد لما قاله
ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - لم نجد أغلظ الخ. صريح فيما قلنا من أن مراده التغليظ
ونظائره في الْقُرْآن كثيرة مثل قَوْلُه تَعَالَى: (والكافرون هم الظالمون) أي
تاركو الزكاة وقَوْلُه تَعَالَى: (ومن كفر فإنَّ اللَّهَ غني عن الْعَالَمينَ) أي
ومن لم يحج عبر به تغليظًا فكذا هنا في إفك عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - لعظم منصب
النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ(24)
قوله: (ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار) أي يستقر لهم ومعنى الاستقرار لكونه
ظرفًا مُسْتَقرًّا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولو فتشت وعيدات الْقُرْآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة - رضي الله عنها - حيث جعل الله
قذفتها ملعونين في الدارين جَميعًا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الْآخرَة وبأن ألسنتهم وأرجلهم
تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا وأنه يوفيهم جزاءهم الذي هم أهله حتى يعلموا عند ذلك أن الله هُوَ
الحق المبين، وجاء بما لم يقع في وعيد الْمُشْركينَ عبدة الأوثان إلا ما هُوَ دونه في [الفظاعة] وما
ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتَّنْبيه عَلَى إنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين
والآخرين وحجة الله عَلَى العالمين.
قوله: ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار. يعني يوم في (يوم تشهد) نصب عَلَى أنه مَفْعُول