قوله: (لا للعذاب لأنه موصوف) إشَارَة إلَى ما ذكره النحاة من أن المصدر إذا نعت
لا يعمل مُطْلَقًا وأجازه السيرافي مُطْلَقًا استدلالًا بقوله: أرواح مودع أم [بكور] فأنت فانظر لأي
ذاك تصير. فأنت فاعل المصدر المنعوت عنده كذا قيل. وجه عدم العمل حِينَئِذٍ هُوَ أن عمل
المصدر لكونه مقدرًا بأن مع الْفعْل والْمَوْصُوف لا يقدر بهما؛ إذ الْفعْل لا يوصف، وهذا
الوجه يقتضي عدم عمله في الظَّرْف أَيْضًا، ولهذا لم يلتفت المص إلَى الْقَوْل بأنه يتسع في
الظروف ما لا يتسع في غيره (وقرأ حمزة والكسائي بالياء للتقدم والفصل) .
قوله: (يعترفون بها) من الاعتراف والضَّمير راجع إلَى الْأَعْمَال وفسر الشَّهَادَة
بالاعتراف والإقرار؛ إذ لا يمكن الشَّهَادَة المصطلح هنا، والظَّاهر أن الشَّهَادَة أي الاعتراف
بالنسبة إلَى الألسنة حَقيقَة؛ إذ التَّكَلُّم من شأنها فيكون جمعًا بين الْحَقيقَة والْمَجَاز وهو الوجه
الثاني هنا وقد قدمه في سورة (يس) لأن قوله أو بظهور آثارها عليها فإنه ملائم للأيدي
والأرجل دون الألسنة، وأما قوله بإنطاق الله الخ. فعام لها لكن في الألسنة بطَريق العادة وفي
الأيدي والأرجل عَلَى طريق خلاف العادة فلا جمع حِينَئِذٍ بين الْحَقيقَة والْمَجَاز.
قوله: (بإنطاق الله تعالى إياها بغير اختيارهم، أو بظهور آثاره عليها وفي ذلك مزيد تهويل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فيه وعامله ما في لهم من معنى الْفعْل المُسْتَقرّ فيه. والتقدير يحصل لهم عذاب عظيم يوم تشهد
عليهم ألسنتهم، ولا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب لأنه مصدر موصوف بـ عظيم والمصدر إذا كان
مَوْصُوفًا بصفة لا يعمل لعلة ذكرت في تفسير (مَوْعِدًا [لَنْ] تُخْلَفَهُ) في سورة طه.
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي بالياء للتقدم يعني قرأ حمزة والكسائي يوم يشهد بالياء التحتانية
لتقدمه وإسناده إلَى ظَاهر المؤنث الغير الحقيقي وهي الألسنة ولبعده عنه بالفصل الذي هُوَ عليهم
ويجوز تذكير الْفعْل إذا واقع فاصل بينه وبين فاعله الذي هُوَ مؤنث حقيقي مثل حضر القاضي اليوم
امرأة فَكَيْفَ إذا كان الْفَاعل مونثًا غير حقيقي.
قوله: يعترفون بها. والباء في بها للألية كما في كتبت بالقلم والضَّمير عائد إلَى الألسنة
والأيدي والأرجل لا الباء التي هي صلة الاعتراف في قولك: اعترف فلان بجريمته وهي هنا
مَحْذُوفة. يعني يعترفون بجوارحهم هذه بجرائمهم التي منها رميهم المحصنات الغافلات الْمُؤْمنات.
قوله: أو بظهور آثاره عليها. عطف عَلَى قوله بإنطاق الله، والضَّمير في آثاره عائد إلَى العمل
المدلول عليه بقوله يَعْمَلُونَ فإن (ما) مصدرية، فالْمَعْنَى يعترفون بجرائمهم الصادرة عن تلك الجوارح
بإنطاق الله تَعَالَى إياها، أو بظهور آثار عملهم السيء فيها كقَوْله تَعَالَى:(يوم تبيض وجوه وتسود
وجوه)جعل رحمه الله الشَّهَادَة مسْتعَارَة للاعتراف والقرينة كونها عَلَى أنفسهم
لا عَلَى غيرهم والاعتراف حَقيقَة عَلَى الوجه الأول وهو أن يكون بإنطاق الله هذه الجوارح ومجاز
مستعار للدلالة عَلَى الوجه الثاني فهو أن يكون بظهور آثار العمل عليها فيراد بشهادتها دلالتها
بالآثار الموسومة فيها عَلَى أنهم زعموا بهذه الأعضاء من الْأَعْمَال ما هذه آثاره وسماته، فالأولى
على الوجه الثاني أن يجعل الشهداء من أول الأمر مَجَازًا مُسْتَعَارًا للدلالة لا مستعارة للاعتراف
المُسْتَعَار للدلالة لئلا يرتكب إلَى تكلف التَّجَوُّز عن الْمَجَاز كما هُوَ المفهوم من تقريره رحمه الله.
قوله: وفي ذلك مزيد تهويل العذاب. أي وفي شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم زيادة تهويل