للعذاب) بغير اختيارهم. الضَّمير راجع إلَى القاذفين وفي سورة السجدة قال في تفسير قوله
تَعَالَى: (قَالُوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) أي ما نطقنا باختيارنا فلا
يبعد أن يقال الضَّمير في بغير اختيارهم راجع إلَى الجوارح أَيْضًا وضمير العقلاء لكون
النطق والاختيار من أوصاف العقلاء فيوافق ما في حم السجدة، وضمير إياها في بابه وكذا
ضمير عليها ولا يلزم تفكيك الضَّمير والبعض ذهب إلَى أنه فسر الشَّهَادَة بوَجْهَيْن أشار في
كل منهما إلَى دفع التعارض أما عَلَى الأول فالْمُرَاد به حقيقته وهو الاعتراف والنطق بجميع
الجوارح ناطقها وصامتها من غير اختيار؛ إذ النطق هُوَ التَّكَلُّم بما يسمع ولو بغير الجوارح
المعروفة كنطق الْمَلَائكَة فالختم معناه المنع عن التَّكَلُّم بما يريده وينفعه بحسب زعمه
اختيارًا كالإنكار والاعتذار فتكون هذه الآية كقوله أنطقنا الله أنطق كل شيء، وأما عَلَى الثاني
فالْمُرَاد به ظهور آثار ما عملوه عَلَى جميع الأعضاء بحَيْثُ يعلم من [يشاهد] ما عملوه
وذلك بكيفية يعلمها الله تَعَالَى فهو اسْتعَارَة ولا جمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز كما توهم انتهى.
فلا تعارض بين هذا وبين قَوْلُه تَعَالَى: (اليوم نختم عَلَى أفواههم) الآية.
والختم ينافي الشَّهَادَة. فأجيب بأن الختم بالنظر إلَى ما ينفعه والشَّهَادَة بالنظر إلَى ما يضره
فلا تدافع ودفع التعارض في تقرير الثاني واضح منه. قيل ولا يعارض هذا قَوْلُه تَعَالَى:
(اليوم نختم عَلَى أفواههم) وشهادة الألسنة لا يتحقق مع الختم عَلَى أفواههم
لأن ذلك يكون في حال، ولأن هذا في حق القذفة وذلك في شأن الْكُفَّار كذا ذكره الإمام
النسفي في التيسير. ويؤيده قول المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى(لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا
جَانٌّ)الآية. وذلك حين ما يخرجون من قبورهم، وأما قَوْلُه تَعَالَى:(فَوَرَبّكَ
لنسألهم)ونحوه فحين يجلسون في المجمع انتهى. وبالْجُمْلَة دفع توهم
التعارض بين الْآيَتَيْن مثلًا بالحمل عَلَى اخْتلَاف المواطن أو عَلَى اخْتلَاف الأشخاص أو عَلَى
اخْتلَاف الحال كثير شائع في كلام الْمُفَسّرينَ والكل محتمل هنا واختيار البعض وتزييف
الآخر من سوء الأفكار ورديء الأنظار، واكتفى هنا بالأعضاء الثلاثة وفي حم السجدة اكتفى
بذكر السمع والأبصار والجلود لأن من ذكر هنا القاذفون والقذف إنما هُوَ باللسان والإشَارَة
باليد وبمشي الأرجل إلَى النادية لأجل الإشاعة، وأما هنالك فالْمُرَاد الكافرون وسبب الكفر في
الغالب عدم الإصغاء إلَى الآيات والنذر وعدم النظر بالبصر إليها، أو للإشَارَة إلَى أن الجوارح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
العذاب فإن أصل التهويل قد حصل ببيان لحوق اللعن بهم في الدُّنْيَا والْآخرَة وبوصف العذاب
بالعظم ففي شهادة الجوارح زيادة تهويل.