قَوْلُه تَعَالَى: (لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ
خَذُولًا (29)
قوله: (عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرَّسُول أو كلمة الشَّهَادَة) عن ذكر الله فاللام
عوض عن الْمُضَاف إليه أو للعهد أو كتابه أي الْقُرْآن والعمل بمقتضاه وهذه الاحتمالات
الأربعة ترديد في العبارة والمآل واحد.
قوله: (وتمكنت منه) بيان لما هُوَ الْمُرَاد من المجيء وهو التمكن والاقتدار عليه
وقبوله لا القبول بالْفعْل كما يدل عليه الرّوَايَة الْمَذْكُورة فإنه وإن تكلم بالشهادتين لكنه لا
عن صميم قلب فلا دلالة في الآية. عَلَى إيمان عقبة ثم ارتداده.
قوله: (يعني الخليل المضل أو إبليس) فيكون الشَّيْطَان اسْتعَارَة مصرحة فإنه يشبه
إبليس في التمرد والإضلال قدمه لأنه مباشر للإغواء بنفسه، فعلى هذا يكون ظاهرًا في
مَوْضع المضمر لتسجيله عَلَى تشيطنه.
قوله: (لأنه حمله عَلَى مخالته) أي المضل فيكون مضلًا بسَبَب وسوسة خلة
المضل فإنه لم يضله ظاهرًا بل أضله حملًا عليها.
قوله: (ومخالفة الرسول، أو كل من تشيطن من جن وإنس) فيكون في الشَّيْطَان
عموم مجاز، وهذا ناظر إلَى كون الْمُرَاد بالظاهر الجنس كما أن الأول ناظر إلَى كون الْمُرَاد
به عقبة وكل منهما كونه ناظرًا إلَى المَعْنَيَيْن يحتاج إلَى التمحل، ثم قيل قوله (وكان الشَّيْطَان)
يحتمل أن يكون من كلام الله ابتداء أو من كلام الظالم، والتَّعْبير بالْإنْسَان يؤيد الأول وعلى
الثاني يشبه الالْتفَات فإن الْإنْسَان عام لجميع أفراده والمخلصون مستثنى منه بمعونة القرينة
وإن أريد به الْإنْسَان المعهود أي عقبة فالالْتفَات حِينَئِذٍ واضح، واللام في للْإنْسَان للتهكم
متعلق بـ خذولًا أخر لرعاية الفاصلة.
قوله: (يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه، فعول من الخذلان) يواليه أي
يجعله وليًا خليلًا حَقيقَة وهو الإنس أو حكمًا وهو الجن إبليس فإن متابعة وسوسته اتخاذ
الولاية حتى يؤديه غاية لإظهار الولاية لا الولاية حَقيقَة وفي نفس الأمر ثم يتركه هذا
يقتضي كون الْمُرَاد بالهلاك قرب الهلاك ولا ينفعه تأكيد ليتركه وهذا ثابت بطَريق الاقتضاء
إذ الخذلان وهو إلقاء الهلاك المعنوي أو الحسي لا يكون إلا بإظهار الموالاة والمحبة
وخلافه نادر، وأصل الخذلان ترك المعاونة والنصرة وقت الحاجة فعول من الخذلان فيفيد
المُبَالَغَة فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فعول من الخذلان. أي خذول فعول من خذل خذلانًا. أي ترك عونه ونصرته.