قوله: (صرفها عن قبول الحق والميل إلَى الصواب) زاد القبول لئلا يلزم اتحاد
الشرط والْجَزَاء وهذا الصرف بمقتضى اختيارهم الغي والميل عن الحق إلَى الباطل فلا جبر.
وقد مَرَّ التَّفْصيل في قوله (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) الآية.
قوله: (هداية موصلة إلَى معرفة الحق أو إلَى الجنة) وأما الهداية بمعنى الدلالة
فمتحققة، فهذه الْجُمْلَة تذييلية مقررة لما قبلها. والفاسقون مظهر في مَوْضع المضمر تسجيلًا
على فسقهم وكفرهم ولبيان علة الحكم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)
قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى) عطف عَلَى (وَإذْ قَالَ مُوسَى)
بطَريق عطف القصة عَلَى القصة.
قوله: (ولعله لم يقل يَا قَوْم كما قال مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنه لا نسب له فيهم) أي من
جهة الأب؛ إذ لا أب له، وأمه مريم وإن كانت من أشرافهم نسبًا لكن الأب هُوَ الأصل في
النسب حتى قَالُوا إن قَوْلُه تَعَالَى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) أنه إشَارَة إلَى
أن النسب للأب. قال الْمُصَنّف في سورة الأنعام في قَوْله تَعَالَى: (وزكريا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: هداية موصلة إلَى الحق. وإنما فسر الهداية بهذا الْمَعْنَى لأن الهداية المفسرة بالدلالة
على ما يوصل إلَى المطلوب غير منفية فيهم لقوله:(وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي[رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ)] بما جئتكم>. قال الزَّمَخْشَريُّ: معنى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من
أهل اللطف. قال صاحب الفرائد: لا يَهْدي من يريد الفسق وهو من باب ذكر الْفعْل وإرادة الإرادة
نحو قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) . وقال الطيبي: هذا
التقدير غير محتاج إليه؛ لأن هذه الفاصلة تذييل للآية وكالتعليل لقوله: (أزاغ الله قلوبهم)
والْمُرَاد بقوله (زاغوا) أذى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وبيانه أن القوم لما آذوا مُوسَى عليه
السلام فزاغوا ففسقوا [وأدى] ذلك إلَى أن خذلهم الله وطبع عَلَى قُلُوبهمْ. وهذا التقرير غير ضار
لمذه أهل السنة [لأن ذلك] الأذى والفسق كان كسبًا لهم وقد تقرر أن صغائر الذنوب مستجلبة
لكبائرها قال تَعَالَى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وأما التذييل
الثاني وهو قوله: (والله لا يَهْدي القوم الظَّالمينَ) فهو تقرير لقوله:(وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ)] لأن الظلم وضع الشيء في غير
موضعه فيجعل إجابته افتراء الكذب عَلَى الله تَعَالَى. يعني كان جزاء الداعي القبول والتصديق
فوضعوا مَوْضع التصديق والقبول أن كذبوا وسموا ما جاء به سحرًا، وكما روعي في هذين التذييلين
هذه المناسبة روعيت في قوله: (ولو كره الكافرون) وذلك أن الكفر في الأصل
الستر والتغطية ومن يجادل في إطفاء نور الله يحاول إطفاء الحق وستره، وكذا في قوله(ولو كره
المشركون)لأنه مقابل لقوله (ودين الحق) وليس دين الحق إلا التوحيد ونفي الشرك.
قوله: لا نسب له فيهم. معنى النسب مُسْتَفَاد من إضافة القوم إلَى ياء المتكلم الْمَحْذُوف
اكتفاء بالكسرة.