ويجيء عيسى وفي ذكره دليل عَلَى أن الذرية تتناول أولاد البنت، ولعله لهذا قال ولعله لم يقل
يا قوم. ومثل هذا أمر سهل ولا يقال إنه لم يقل ذلك إشَارَة إلَى أنه عامل بالتَّوْرَاة وأنه مثلهم
في أنه من قوم مُوسَى هضمًا لنفسه لأنه لا أتباع له ولا قوم؛ لأن الإنجيل ناسخ بعض حكم
التَّوْرَاة. صرح به الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى: ( [وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي] حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) الآية. كما هُوَ
مقتضى النظم الجليل وعدم نسخه قول مرجوح. قوله وأنه أي عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مثلهم في أنه
من قوم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هفوة عظيمة يحتاج إلَى [توبة] خالصة ولا يبعد أن يقال: إن قوله:
(يَا بَني إسْرَائيلَ إني رسول الله) الآية. للرد عَلَى من زعم أنه مبعوث إلَى غير
بَني إسْرَائيلَ، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في سورة آل عمران(في حال تصديقي لما تقدمني من
التَّوْرَاة وتبشيري بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي).
قوله:(والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإِرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو
صلة للرسول فلا يعمل)والعامل في الحالين وهما (مُصَدِّقًا) (وَمُبَشِّرًا) وإطلاق الحال عَلَى
الْمَعْطُوف عَلَى الحال لرعاية الْمَعْنَى ما في الرَّسُول لأنهما حالان من الضَّمير المستتر فيه
فيعمل فيهما لأنه في معنى الْفعْل لا الجار وهو إليكم؛ لأنه ظرف لغو لكونه متعلقًا بالرَّسُول
وعمل الجار إذا كان ظرفًا مستقرًّا لكونه نائبًا مناب الْفعْل الْمَحْذُوف وهنا ليس كَذَلكَ ولو
اعتبر ظرف مستقرًا بجعله متعلقًا بمرسل مَحْذُوف يكون الجار والمجرور عاملًا فيهما.
قوله: (يعني مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ) نبه به عَلَى أن أحمد اسم علم مثل كون مُحَمَّد اسم
علم جامد وليس بأفعل التَّفْضيل من الحامدية والمحمودية. نعم يفهم ذلك باعْتبَار أصل
وضعه تبعًا.
قوله: (والْمَعْنَى أن ديتي التصديق بكتب الله وأنبيائه) منزلة أو متوقع النزول والْأَنْبيَاء
كَذَلكَ وفيه تنبيه عَلَى أن الواجب تصديق جميع الكتب والْأَنْبيَاء منزلًا كان أو سينزل مبعوثًا
كان أو سيبعث فالاعتقاد لا تفاوت فيه أصلًا تفصيلًا كان أو إجمالًا.
قوله:(فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم
الْمُرْسَلينَ)فالأولية بهذا الْمَعْنَى لا ينافيه كون الصحف أولًا مقدمًا عَلَى التَّوْرَاة وتصديقه عليه
السلام التَّوْرَاة مفهوم بعبارة النص وتصديقه بما عداها مفهوم بدلالة النص، وكذا الْكَلَام في
الْأَنْبيَاء فتصديقه بخاتم الْمُرْسَلينَ معلوم بعبارة النص ومن عداهم بدلالة النص؛ إذ لا قائل
بالفصل. والحاصل أنه جعل الأول والآخر كناية عن الجميع كالصباح والمساء كذا قيل. وفيه ما
فيه؛ إذ الأولية بالنسبة إلَى الكتب والآخرية بالنظر إلَى الْأَنْبيَاء ومثل هذا لا يكون كناية.
قوله: (إشَارَة إلَى ما جاء به) من المعجزات الواضحة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه
وغيرهما فتذكير هذا التأويل الْبَيّنَات بما جاء به.
قوله:(أو إليه، وتسميته سحرًا للمبالغة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «هذا ساحر»
عَلَى أن الإشَارَة إلَى عيسى عليه السَّلام)للمُبَالَغَة هذا إذا أشير بهذا إلَى عيسى
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأما إذا كان الإشَارَة إلَى ما جاء به فلا مُبَالَغَة وكذا قوله ويؤيده الخ.