قوله: (أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها) معنى الإحياء هنا اسْتعَارَة قوله بعد يبسها
معنى موتها اسْتعَارَة قد مَرَّ التَّفْصيل مرارًا لا سيما في قَوْله تَعَالَى:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)الآية.
قوله: (سماع تدبر وإنصاف) قيده به لأنه إنما ينتفع به من سمع كَذَلكَ ويتأملون
ويَعْقلُونَ وجه دلالتها ويقبلون مدلولها ويَعْمَلُونَ بمقتضاها. ولما بين الله إنزاله الْمَذْكُور عَلَى
الوجه الأنيق وذكره إيقاظًا للسامعين قال لقوم يسمعون دون يبصرون لأن ما ذكر وإن كان
من المبصرات، لكن هذا الْقَوْل المبين الْمَذْكُور من المسموعات فكان ختم الْكَلَام بما
يناسب الابتداء مناسبة في الذروة العلياء .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا
لِلشَّارِبِينَ (66)
قوله: (دلالة يعبر بها من الجهل إلَى العلم) إشَارَة إلَى وجه تعبير الدلالة بالعبرة ؛ إذ
أصل العبر والعبور التجاوز من محل إلَى آخر. قول الرَّاغب العبور مختص بتجاوز الماء
بسباحة ونحوها فيه تسامح وتنبيه عَلَى أنه أكثر استعمالًا فيها ونحوها. فأطلق العبرة عَلَى ما
يعتبر به في الاصْطلَاح وهو الْمُرَاد هنا. يعبر بها أي يتجاوز بها من الجهل البسيط إلَى العلم
ولم يذكر الْمَفْعُول لهما إما لظهوره أو للتعميم .
قوله:(اسْتئْنَاف لبيان العبرة، وإنَّمَا ذكر الضَّمير ووحده هَاهُنَا لِلَّفظ وأنثه في سورة
الْمُؤْمنينَ للمعنى)اسْتئْنَاف لبيان العبرة أي الدليل الذي يعبر من الجهل بصفاته تَعَالَى من
العلم الكامل والقدرة التامة وغيرها فيه نوع مسامحة ؛ إذ الغبرة [ليست] نفس الإسقاء بل ظهور
اللَّبَن الخالص من بين فرث ودم سيشير إليه المصنف، والْمُرَاد اسْتئْنَاف بياني كأنه قيل: وما
العبرة أو كَيْفَ العبرة؟ فأجيب [بأنه] (نسقيكم) الآية. وقد عرفت الْمُرَاد .
قوله: (فإن الأنعام اسم جمع) كرهط وقوم يجوز فيه تذكيره وتأنيثه باعْتبَار لفظه
ومعناه وعن هذا ورد في النظم الكريم الوجهان .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: دلالة يعبر بها. بالتخفيف من العبور وهو المرور من شيء إلَى شيء ومنه عابر السبيل
أي مار الطريق والمعبَر بالفتح ما يعبر عليه فالعبرة أَيْضًا من العبور لأنها دلالة يعبر بها من الجهل
إلى العلم فإن من نظر إلَى الشيء بنظر العبرة عبر من حال الجهل إلَى حال العلم به وإلا بقي عَلَى
حال الجهل به .
قوله: اسْتئْنَاف لبيان العبرة كأنه لما قيل (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) قيل كَيْفَ
العبرة فيها؟ فقيل: (نسقيكم) الآية.