هو أعلى منه) إشَارَة إلَى مناسبته لما قبله لأته من قبيل التَّنْبيه بالأدنى عَلَى الأعلى ولذا قال
فَكَيْفَ يكون فيما هُوَ أعلى منه ( [وَرَحْمَتُ رَبِّكَ] يعني النبوة وما يتبعها) .
قوله: (من [حُطام] الدُّنْيَا والعظيم من رزق منها لا منه) أي لا العظيم من رزق من
[حُطام] الدُّنْيَا كما زعمه الأشقياء وظهر منه الارتباط بما قبلها أَيْضًا والتَّعْبير باسم الرب
والْإضَافَة إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ مع التَّعْبير بالرحمة لبيان كمال لطفه وإحسانه له عَلَيْهِ السَّلَامُ
ورمز إلَى أن الكفرة هم الظالمون حيث وضعوا الشيء في غير موضعه في كل أمر
وحيث اعتقدوا أن العظيم من رزق من [حُطام] الدُّنْيَا وهو ظلم أَيْضًا لوضعهم العظم في
غير موضعه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا
مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)
قوله: (لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الْكُفَّار في سعة وتنعم) أي لولا يرغب
النَّاس برمتهم في الكفر وهذا لازم معنى النظم الكريم لأن كونهم أمة واحدة يلزمه الرغبة
في الكفر أو الإيمان لكن الْمُرَاد الرغبة في الكفر جَميعًا بقرينة ما بعده قوله: إذ رأوا الْكُفَّار
أي النَّاس والْمُتَبَادَر منه كون الْمُرَاد بالنَّاس الموحدون لكن الْمُرَاد النَّاس برمتهم ومنشؤه ما
ذكره، لكن الأولى إن رأوا الْكُفَّار لأن هذا غير واقع. قوله في سعة أي في سعة عظيمة وتنعم
مفرط بقرينة ما بعده.
قوله: (لحبهم الدُّنْيَا فيجتمعوا عليه) أي لحبهم حبًا طبيعيًّا جبليًا فلا ينافيه اختيار
الفقر بعض الكاملين بالحب الشرعي. قوله: فيجتمعوا عليه أي عَلَى الكفر وهذا معنى
كونهم أمة واحدة. والأمة جماعة اتفقوا في أمر واحد، والأمر الواحد هنا الكفر. قوله واحدة
صفة مؤكدة دفعًا لكون الْمُرَاد جنسًا ينتظم القليل والكثير فأكدت تنبيهًا عَلَى أن الْمُرَاد
الوحدة لا الجنس. والْمَعْنَى ولولا كراهة أن يجتمعوا عَلَى الكفر؛ لأن لولا الامتناعية لانتفاء
الثاني لوجود الأول والأول وهو مدخول لولا غير متحقق والمتحقق كراهة ذلك. وحاصله
لوجود كراهة اجتماع النَّاس عَلَى الكفر لم يقع الثاني ولظهوره لم يتعرض المص.
قوله: (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ) لم يجئ لمن يكفر بنا بل التفت إلَى اسم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لولا أن يرغبوا إلَى الكفر. قال صاحب الكَشَّاف: أي ولولا كراهة أن يجتمعوا عَلَى
الكفر ويطبقوا عليه. معنى الاجتماع والإطباق مُسْتَفَاد من لفظ أمة فإنه ينبئ عن معنى الاجتماع
والاتفاق. وقال وفي معناه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لو وزنت الدُّنْيَا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر"
منها شربة ماء"."