صلة منسلخ عن الماضوية ومع ذلك اخْتيرَ الْمَاضي ترغيبًا في تَحْصيله وإطماعًا في حصوله
كأنه حصل وأخبر عنه، وأما التوكل لللقصد إلَى الاسْتمْرَار فهو منسلخ عن معنى الاسْتقْبَال مع
مراعاة الفاصلة قدم الصبر لأنه أتعب والاكتفاء بالخلصتين لأنهما تمام الإيمان. قال عليه
السلام:"الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"لأن التوكل من أعظم أنواع الشكر .
قبى له تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
لا تَعْلَمُونَ (43)
قوله: (رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا) ولسائر الكفرة إذ هذا
الْقَوْل الذي جعلوه شبهة في الْأَنْبيَاء قول عامة الكفرة قال تَعَالَى:(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ
يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى [إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)] والناس عام
لجميع الْكُفَّار. واحترز بقوله دعوة العامة عن بعث الْمَلَائكَة للأنبياء للتبليغ أو لغيرهم
كإرساله لمريم للبشارة، والْمُرَاد بالعامة من يبعث الرَّسُول إليهم سواء جميع النَّاس كان نبينا
أو بعضهم كما في غيره .
قوله:(أي جرت السنة الإِلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرًا يوحي إليه على
ألسنة الْمَلَائكَة)ولا يلزم منه أن يكون الوحي بواسطة الملك فقط؛ لأن الْمُرَاد بيان ما هُوَ
الأغلب في الوحي لأن الْمُصَنّف قد بين أقسام الوحي في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَمَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)الآية. ومع ظهور القرينة القوية لا وجه
للإشكال بأن هذا يخالف قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)
وقد مَرَّ أَيْضًا هذا من الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى (ينزل الْمَلَائكَة بالروح)
الآية. واعترض عليه بذلك. وقد أوضحنا مراده بصريح كلامه، والجمع إما
[للتعظيم] أو كانقسام الآحاد لكثرة الرسل .
قوله: (والْحكْمَة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام) في قَوْله تَعَالَى:(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ
مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)حيث قال فإن الْقُوَّة البشرية لا تقوى عَلَى رؤية الملك
في صورته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والْحكْمَة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام. قال هناك في [تفسير] قَوْلُه تَعَالَى(وَلَوْ
جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا). والْمَعْنَى لو جعلنا الرَّسُول ملكًا لمثلناه رجلًا كما مثل جبْريل في صورة
دحية فإن الْقُوَّة البشرية لا تقوى عَلَى رؤية الملك في صورته، وإنَّمَا رآهم كَذَلكَ الأفراد من الْأَنْبيَاء
لقوتهم القدسية. هذا والحاصل أن الْحكْمَة في ذلك أن الطاقة البشرية لا تعي أن يرى الملك عَلَى
صورته الْمَخْصُوصة .