قوله: (كما هُوَ عَلَى يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس
والتعريض باللعن على أعدائه، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم
كقوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) فإنه تعريض بأن العذاب عَلَى من
كذب وتولى) كما هُوَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يعني في ما مَرَّ عرضه الإشَارَة إلَى تفسيره وتوطئة
لذكر قوله والتعريف للعهد فيكون الْمُرَاد به السلام السابق ذكره، ولا يخفى ضعفه، وعن هذا
قال والأظهر الخ. لأن هذا الْكَلَام منقطع من كلام يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وجودًا وهو ظَاهر
وسردًا فيكون غير سابق لفظًا ومعنى، وأما الْقَوْل بأنه كَيْفَ يجوز أن يكون سلام يَحْيَى بعينه
سلام عيسى عليهما السلام فمدفوع بأنه يمكن أن يقال: إنه من قبيل هذا (هَذَا الَّذي رُزقْنَا منْ قَبْلُ)
بأن يكون الْمَعْنَى مثل سلام يحيى عليَّ فيكون سلامه متحدًا بالنوع مع سلام يَحْيَى وإن كان
مغايرًا له بالشخص هذا صحيح إن كفى في المعهودية الاتحاد بالنوع وإلا فلا. فالأظهر بل
الصحيح كما في الكَشَّاف أنه للجنس أي الاسْتغْرَاق؛ إذ التعريض إنما يحصل به لكن
الْمُرَاد الاسْتغْرَاق العرفي أو الإضافي ؛ إذ الحقيقي ليس بمتصور. قوله فإنه لما جعل جنس
السلام الخ. إشَارَة إلَى كون الْمُرَاد الاسْتغْرَاق، والْمُرَاد بالأعداء الْيَهُود والنصارى الَّذينَ قَالُوا
إنه ابن اللَّه أو أنه ثالث ثلاثة أو أن الله هُوَ المسيح ابن مريم، والدعاء باللعن عَلَى العموم
ليس بقبيح، والْمُرَاد بالضد مقابله. قيل كلمهم بذلك ولم يتكلم حتى بلغ مبلغًا يتكلم فيه
الصبيان كذا في الكَشَّاف. ظاهره يخالف قَوْلُه تَعَالَى:(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ
الصَّالِحِينَ)ولا جزم في شيء من الطرفين .
قَوْلُه تَعَالَى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)
قوله: (أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى) أي المشار إليه
بذلك ما تقدم وصيغة البعد للتفخيم. قوله لا ما نصفه النصارى إشَارَة إلَى أن في الْكَلَام
الحصر أي قصر الخبر عَلَى المبتدأ إما بناء عَلَى ما ذكره المحقق الكرماني في شرح البخاري
من أن تعريف الطرفين مُطْلَقًا يفيد الحصر، وإن خصه أهل الْمَعَاني بتعريف المسند باللام أو
والْإضَافَة إلَى ما فيه اللام أو بناء عَلَى أن الحصر مُسْتَفَاد من فحوى الْكَلَام فإن الوصف إشَارَة
إلى نفي ما ادعوه فيه فإنهما متنافيان فإذا أثبت أحدهما لزم نفي الآخر بطَريق ضروري لأنه إذا
تحقق وصفه بالعُبُوديَّة وولادته من مريم لزم أن لا يكون ابنًا وربًا وهذا هُوَ الصواب .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن عَلَى أعدائه. وجه أظهرية الجنس من العهد أن
الْمُرَاد من تكلمه في العهد رضيعًا رد ما افترى عليه أعداؤه بإتيان شيء خارق للعادة فالمقام مقام
طرد الأعداء ولعنهم فتوسل إلَى لعن الأعداء بحصر جنس السلام عَلَى نفسه حصرًا إضافيًا معرضًا
بضده عَلَى أعدائه .