وأريد به معنى آخر فلا ضير في إسناده إليه تَعَالَى حَقيقَة. ونقل عن الإمام أن المكر إيصال
المكروه إلَى الغير عَلَى وجه يخفى فيه، وأنه يجوز صدوره عنه تَعَالَى حَقيقَة. وقد ذهب إليه
طائفة وقَالُوا إنه عبارة عن التدبير المحكم فليس بممتنع عليه انتهى. وهذا الْمَعْنَى غير ما ذكره
المص حيث أسقطوا الحيلة وعبروا بالتدبير المحكم فالنزاع لفظي، ومع ذلك الأولى أن لا
يطلق عليه تَعَالَى لإيهامه الحيلة حتى صرح العلامة التفتازاني في شرح المقاصد لا يجوز
إطلاق الخادع والماكر عليه تَعَالَى وإن جاء في الْقُرْآن لأن هذا الإطلاق للمشاكلة والإشكال
عليه بقَوْلُه تَعَالَى (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ) الآية. فإنه أطلق
عليه ابتداء من غير مشاكلة مدفوع بأنه استعارة تمثيلية. كما نبه عليها في بعض المواضع كما
هو عادته الشريفة من أنه ذكر اللطائف الأنيقة في المواضع المتفرقة، ولك أن تقول: إن مثل هذا
من المشاكلة التقديرية كقَوْله تَعَالَى (صبغة الله) الآية.
قوله: (أقواهم مكرا) وهذا معنى (خير الماكرين) قوله(وأقدرهم
على إيصال الضرر)تنبيه عَلَى ما ذكرناه من أنه إذا حذف الحيلة ولم تعتبر يصح إسناده إليه
تَعَالَى ولا يحتاج إلَى الْقَوْل بالاسْتعَارَة والمشاكلة، وأما إذا اعتبرت الحيلة في مفهوم المكر فلا
ريب في احتياجه حين أطلق عليه تَعَالَى إلَى أحدهما وإنما لم يحمل عَلَى أن مكره تَعَالَى
أحسن وأوقع في محله لخلوه عن الظلم؛ لأن ما اختاره المص أنسب بالتهديد. والخير مآله
عاقبة حميدة ولا نشك في أن أفعال الله تَعَالَى كلها لها عاقبة حميدة (من حيث لا يحتسب) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
قوله: (ظرف لمكر الله) قدمه ؛ إذ ظهور مكره تَعَالَى في ذلك الوقت، والْمُرَاد وقت متسع
(أو خير الماكرين) وجه التَّقْييد لأن مكره تَعَالَى كله أقوى وأشد فهو ظرف له كما كان ظرفًا
لأصل المكر. غايته ملاحظة الْقُوَّة وعدم ملاحظة قوله (أو المضمر مثل وقع ذلك) أو اذكر .
قوله: (أي مستوفي أجلك) أي المتوفى بمعنى المستوفي لأن ظَاهر معناه ليس بمراد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي مستوفى أجلك [ومؤخرك] إلَى أجلك المسمى، عاصمًا إياك من قتلهم. يعني قوله:
(إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) بمعنى إني مميتك حتف أنفك لا بقتل هَؤُلَاء الكفرة الَّذينَ
يحومون حول قتلك، فلا تخف إني عاصمك منهم فهو كناية تلويحية عن العصمة؛ لأن التوفي حتف
أنفه لازم لتأخيره إلَى أجله المسمى، وتأخيره إلَى أجله لازم العصمة، فذكر اللَّفْظ الدال عَلَى اللازم
وأريد به الملزوم الذي هُوَ العصمة من قتلهم .