لعدم ملائمه قَوْلُه تَعَالَى ( [(مُتَوَفِّيكَ) ] ومؤخرك إلى أجلك المسمى، عاصمًا إياك من قتلهم ورافعك إلَيَّ)
فالْمُرَاد بيان عصمته عن القتل ؛ إذ هي لازمة لاستيفاء الأجل وتأخيره إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قدم هذا
الاحتمال لأن فيه أشد ارتباط بما قبله حَيْثُ ظهر فيه مكر الله تَعَالَى أشد ظهور. قوله(أو
قابضك من الْأَرْض)هذا [قريب من] الأول فإن هذا يستلزم العصمة أَيْضًا. قوله من توفيت مالي
بمعنى استوفيته، والظَّاهر أن مالي كلمة واحدة واحتمال كون (مَا) موصولة ولي صلته بعيد .
قوله: (أو متوفيك نائمًا) أي مميتك بالنوم فيكون اسْتعَارَة تبعية(إذ روي أنه رفع
نائمًا، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلَى عالم الملكوت)يكون مَجَازًا مرسلًا
إذ هذا الانقطاع لازم للموت الحقيقي وجعله لازمًا للإماتة. والْمَعْنَى نجعلك منقطعًا عن
الشهوات أخّره لأنه غير ملائم لما قبله، وإن كان معنى لطيفًا في نفسه وهذه الحالة الرفيعة لا
دلالة في النظم الكريم عَلَى اخْتصَاصها بعيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لا سيما العروج بالروح. وقيل
يجوز أن يكون العروج بالبدن مختصًا بعيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ بسَبَب نفخ جبْريل ولم توجد تلك
الخاصة لغير الْأَنْبيَاء عليهم السلام، ولا يلزم منه تفضيله عَلَى غيره من الْأَنْبيَاء عليهم السلام
كالْمَلَائكَة فإن لهم خاصة [العروج] إلَى السماء مع أنهم لا يفضلون، وضعفه ظَاهر فإن نبينا
عَلَيْهِ السَّلَامُ عرج إلَى ما شاء الله تَعَالَى وشتان ما بين العروجين بتقدير مضاف(وقيل
أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلَى السماء وإليه ذهبت النصارى).
قوله: (إلَى محل كرامتي ومقر ملائكتي) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو قابضك أو متوفيك [نائمًا] ، وإنَّمَا احتيج في معنى متوفيك إلَى ارْتكَاب هذه الْوُجُوه
لما أن توفي عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ إنما يكون بعد رفعه إلَى السماء لقوله:(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)إلَى قَوْله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) قال بعض
الأفاضل وهَاهُنَا إشكالات وهي أن الله تَعَالَى كان قد أمر جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ بأن يكون معه في أكثر
الأوقات عَلَى ما قال تَعَالَى (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ثم إن طرف جناح من أجنحة
جبْريل كان يكفي للعالم فَكَيْفَ لم يكف في منع أُولَئكَ الْيَهُود عنه، وأَيْضًا أنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
لما كان قادرًا عَلَى إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فَكَيْفَ لم يقدر عَلَى إماتتهم ودفع شرهم
أو عَلَى استقامتهم وللقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين [عن] التعرض له، وَأَيْضًا لما
خلصه الله من الأعداء بأن رفعه إلَى السماء فما [فَائدَة إلقاء شبهه] عَلَى العين؟ الْجَوَاب عَلَى الكل
بحرف واحد وهو أن بناء التكليف عَلَى الاختيار، ولو أقدر الله جبْريل أو عيسى عَلَى رفع الأعداء أو
رفعه من غير شبهة إلَى السماء لبلغت معجزته إلَى حد [الإلجاء] .
قوله: إلَى محل كرامتي. لما أوهم كلمة إلَى معنى الجهة وهو تَعَالَى منزه عن الجهات قدر
الْمُضَاف .