قوله: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ) (الكفار ظهوركم) أي وليتم متعد إلَى مَفْعُولَيْن لكن
حُذفَا لقيام القرينة عليهما وتعديته بالمَفْعُولَيْن مما جاء مصرحًا في النظم الجليل كقوله
تَعَالَى (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) وحمله عَلَى الحذف والإيصال تعسف وقد قال
الإمام الرَّاغب في مفرداته وليت سمعي كذا ووليت عيني كذا أقبلت به عليه. نعم ولى قد
يستعمل بمعنى تولى أي أعرض كقَوْله تَعَالَى: (وَلَّى مُدْبِرًا) الآية. وكقوله
تَعَالَى: (وَلَّى مُسْتَكْبِرًا) الآية. وهذا هُوَ مراد صاحب القاموس وَلَّى تولية أدبر
ولم ينكر كون وَلَّى باقيًا في بابه متعديًا إلَى مَفْعُولَيْن، وفي كلامه حيث قال وَلَّى تولى إشَارَة
إليه وقد يجيء بمعنى الإقبال حين كون الوجه مَفْعُولا كقَوْله تَعَالَى:(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)الآية.
قوله: (والإدبار الذهاب إلَى خلف خلاف الإقبال) فالتَّفْسير بالانهزام تفسير باللازم.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26)
قوله: (رحمته التي سكنوا بها وآمنوا) .
قوله: (رحمته) أي [أمنه] كما سيصرح به في قَوْله تَعَالَى: (فأنزل اللَّه سكينته)
الآية. فأطلق السكينة عَلَى الأمن مَجَازًا لكونه سببًا للسكون كما أشار إليه بقوله
سكنوا بها.
قوله: (وإعادة الجار للتنبيه عَلَى اخْتلَاف حاليهما) إذ السكينة بالنسبة إلَى الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ دوامها وعدم عروض الخوف، وأما بالنسبة إلَى الْمُؤْمنينَ زوال الاضطراب
والخوف والأولى كون ذكر الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ للتبرك كما في قَوْله تَعَالَى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ)عَلَى قول.
قوله: (وقيل هم الَّذينَ ثبنوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يفروا) ، مرضه لأن السكينة حِينَئِذٍ
تحتاج إلَى تمحل بالنسبة إلَى الْمُؤْمنينَ أَيْضًا(بأعينكم أي الملائكة وكانوا خمسة آلاف أو
ثمانية أو ستة عشر على اختلاف الأقوال).
قوله: (بأعينكم) يعني أن الرؤية بصرية لا قلبية وأن الْمُرَاد نفي الرؤية حَقيقَة لا أنهم
رأوها هم والمشركون، وأن الْمُرَاد لم يروا مثلها قبل ذلك كذا قيل. وكلام صاحب الكَشَّاف
في سورة الأنفال حيث قال: نزل جبْريل في خمسمائة ملك عَلَى الميمنة [وفيها أبو بكر،] وميكائيل في
خمسمائة ملك عَلَى الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض
وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم. انتهى. يشعر بأنهم يروها وأن الْمُرَاد لم يروا
مثلها قبل ذلك، والفرق بين قصة بدر وبين وقعة حنين ضعيف، إلا أن يقال إنهم لم يروها
بأعنيهم عَلَى صورة الملك. قوله: عَلَى اخْتلَاف الأقوال قيل وجه الاخْتلَاف في العدد أنه
تَعَالَى قال: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ) ثم قال: