قَوْلُه تَعَالَى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
قوله: (فلأجل ذلك التفرق أو الْكتَاب أو العلم الذي أوتيته) أَشَارَ إلَى أن اللام
للتعليل والمشار إليه التفرق المدلول عليه لـ تفرقوا وهو الْمُنَاسب لما بعده ولذا قدمه ثم أشار
إلى جواز كون الإشَارَة إلَى الْكتَاب أو العلم الذي أوتيته صفة العلم أو الْكتَاب أَيْضًا عَلَى
سبيل المناوبة والْكتَاب مذكور لكن عَلَى تقدير كون الْمُرَاد به الْقُرْآن دون التَّوْرَاة والْإنْجيل
فـ [حِينَئِذٍ] المشار إليه إما التفرق أو العلم الذي هُوَ مذكور في قوله: (من بعد ما جاءهم العلم)
وما جاءهم من العلم أعطي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وكون التفرق علة للدعوة لأن
الْمُرَاد تفرف أهل الْكتَاب الَّذينَ كانوا في عهد رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ وإن كان الْمُرَاد تفرق
الأمم السالفة فالعلة العلم أو الْكتَاب أي الْقُرْآن والْقَوْل بأن تفرقهم سبب لتفرق قومه عليه
السلام فلذا جعل سببًا له ضعيف.
قوله: (إلَى الاتفاق عَلَى الملة الحنيفية أو الاتباع لما أوتيت) إلَى الاتفاق عَلَى الملة
الخ. هذا إن أريد بالمشار إليه التفرق. قوله أو الاتباع لما أوتيت ناظر إلَى كون المشار إليه
الْكتَاب أو العلم، والْمُرَاد اعتبار التناسب بين التعليل والمعلل. وقيل لأجل التفرق فمدخول
اللام [حِينَئِذٍ] باعث متقدم للأمر بالدعاء وإيجابه فلولا التفرق لم يجب الدعاء وهذا كما ترى.
قوله: (وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في مَوْضع إلَى لإفادة الصلة والتعليل) وعلى
هذا أي عَلَى هذا التقرير في التفاسير الْمَذْكُورة عَلَى أن اللام متعلقة بـ ادعوا المتعدي بـ إلى
يجوز أن تكون اللام في مَوْضع إلَى لإفادة الصلة أي ليدل بها عَلَى صلة فيهما وإذا كان
بمعنى لأجله لم يكن في الْكَلَام ما يدل عَلَى صلة الدعاء وهو المدعو إليه والتعليل ظاهره
كونه من اللام فيلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز، وهذا وإن كان جائزًا عند الْمُصَنّف لكن لا
حاجة إليه فالْمُنَاسب ما ذكره أولًا من أن اللام للتعليل وصلة (فادع) مَحْذُوف وكون التعليل
مُسْتَفَادًا من الفاء وإن لم يكن بعيدًا لكن لا يلائم كلام الْمُصَنّف.
قوله: (واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى. [وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ] . الباطلة) واستقم عَلَى الدعوة
خصها بالدعوة لذكره عقيب قوله (فلذلك فادع) ، وأما في سورة هود فجعلها عامًا لاقتضائه
المقام كما أشار إليه الْمُصَنّف هناك. قيل وفسر الرَّاغب الاستقامة هنا بلزوم المنهج
المستقيم انتهى. فلا يعني هذا عن التأويل بالدوام عَلَى الاستقامة وكذا قوله:(ولا تتبع
أهواءهم)تهييج عَلَى ذلك والأمر بالدوام عَلَى عدم الاتباع.
قوله: (وقل آمنت بما أنزل الله) وهذا أبلغ من قوله: وآمن بما أنزل الله لأنه
صريح في الإخبار المقصود هنا وهو في الْحَقيقَة أمر بهذا [للأمة] كما يدل عليه قوله لا
كالْكُفَّار الخ.