وتَحْصيل المثوبة المنجية عن طول الحساب وأشد العذاب قيل ومراده دفع المنافاة بين
الخبرين؛ إذ الإعراض عن الشيء يستلزم عدم الغفلة فإنه موقوف عَلَى التصور مع أنه أثبت
لهم الغفلة عَلَى وجه المُبَالَغَة حَيْثُ جعل الغفلة ظرفًا لهم فدفع بأن الْمُرَاد بالإعراض
الإعراض عن التفكر فيه وهو عين الغفلة فيكون كالتَّأْكيد له أو مستلزم له. والحاصل أن
الغفلة والإعراض لا يتواردان عَلَى محل واحد، وأما الْقَوْل بأنهم غافلون عن الحساب
جاهلون به أو منكرونه فإذا نبهوا عليه وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا
وسدوا مسامعهم فمذكور في الكَشَّاف لا يلائم كلام الْمُصَنّف ولا يساعده النظم؛ إذ حاصله
أن الغفلة عن الحساب في أول أمرهم والإعراض بعد قرع أسماعهم وكلام المص ساكت
عنه فإنه خلاف ظَاهر النظم مع أنه يمكن دفع توهم التنافي بالوجه اليسير وهو أن الْمُرَاد
بالغفلة عدم التصور والخطور ببالهم، والْمُرَاد بالإعراض الإعراض عن التفكر فيه؛ إذ التفكر
فيه يتوقف عَلَى التصور وقد انتفى التصور فينتفي التفكر فيه فَكَيْفَ يتوهم التنافي بل هُوَ من
قبيل جمع أمر وإما باسبه لا بالتضاد المسمى بمراعاة النظير، وأما ما ذكر في الكَشَّاف من أن
إعراضهم بعد الإيقاظ وغفلتهم قبل التَّنْبيه فلا يستفاد من النظم الكريم إلا بانضمام القرينة
الخارجية، وأما ما اختاره المص فهو ملائم لمعنى الغفلة كما عرفته.
قوله: (وهما خبران للضَّمير) عند من جوز تعدد الخبر بدون عطف والتغاير بين
الخبرين للمُبَالَغَة في كونهم غافلين ولرعاية الفاصلة في الثاني ولم يعكس إذ الغفلة أصل
متبوع سبب لإعراضهم عن التفكر فيه.
قوله: (ويجوز أن يكون الظَّرْف حالًا من المستكن في(معرضون)
إشَارَة إلَى ضعفه؛ إذ المُبَالَغَة وهي كونهم مستغرقين في الغفلة ينتفي حِينَئِذٍ مع أنه ينتفي كون
الثاني وصفًا مستقلا.
قَوْلُه تَعَالَى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)
قوله: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ) وهو الآيات زيدت من للاسْتغْرَاق.
قوله: (ينبههم من سنة الغفلة والجهالة) ينبههم الإسناد مجازي من سنة الغفلة أي
الغفلة كالسنة من إضافة المشبه به إلَى المشبه وأطلق الغفلة لتعم الغفلة عن الحساب وعن
غيره فيدخل الغفلة عن الحساب دخولًا أوليًّا، وبهذا الاعتبار بعلم ارتباطه بما قبله وفي
عطف الجهالة تنبيه عَلَى أن الغفلة بمعنى الجهالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ بالرفع حملًا عَلَى المحل. أي عَلَى محل من ذكر فإنه رفع عَلَى أنه فاعل دأشيم
ومن مزيدة للتأكيد.
قوله: ويجوز أن يكون حالًا من واو يلعبون. أي يجوز أن يكون (لاهية) حالًا من واو يلعبون
لا من واو استمعوه، فعلى هذا يكون من الأحوال المتداخلة بخلاف الأول فإنه حِينَئِذٍ يكون من
الأحوال المترادفة.