قوله: (يسرعون، وقرئ بالضم) يسرعون أي في الخروج وإن كانوا قائمين في
قبورهم بعد الخروج منها فلا منافاة بينه وبين قَوْلُه تَعَالَى: (فإذا هم قيام ينظرون)
أي قائمون في قبورهم أو يسرعون في المشي فـ [حِينَئِذٍ] التوفيق بَيْنَهُمَا هُوَ أن
الْمُرَاد بالقيام التوقع. قال الْمُصَنّف هناك أو متوقعون فلا منافاة بين المشي بسرعة
والتوقع ما يفعل بهم. وقيل لا منافاة بَيْنَهُمَا لأن التقارب بين الزمانين يجعلهما كالواحد.
قال الإمام لفظ الرب أحسن ما يكون لأن من أساؤوا واضطروا إلَى من أحسن إليه
يكون أشد ألمًا وأكثر ندمًا من غيره انتهى. هذا بالنسبة إلَى الكفار، وأما سرعة الْإخْبَار
فلأن نيلهم إلَى ما اشتاقوا إليه يكون من آثار التَّرْبيَة .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا يَا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(52)
قوله: (قالُوا يَا وَيْلَنا) وقرئ «يا ويلتنا» ) قَالُوا اسْتئْنَاف ولذا ترك العطف يا ويلنا
نادوا الهلاك لما فيه من الشدة العظيمة فنزل الويل والهلاك منزلة العقلاء. أي يا ويلينا تعال
فإن هذا أوانك .
قوله: (مَنْ بَعَثَنَا) لكمال حيرتهم سئلوا من الباعث مع علمهم بأنه تَعَالَى: مرقد يجوز
أن يكون مصدرًا بمعنى الرقاد وأن يكون اسم مكان فهو مفرد أقيم مقام الجمع. والأول
أحسن؛ لأن المصدر مفرد مُطْلَقًا كذا نقل عن [المعرب] . وكونه اسم مكان أقرب معنى .
قوله: (وَقُرئَ «مَنْ [هَبَّنَا] » من هب من نومه إذا انتبه ومن هبنا بمعنى أهبنا) وَقُرئَ مَن
أهبنا بدل من بعثنا. قوله ومن هبنا بمعنى أهبنا أي هب من الثلاثي قد يكون متعديًا كما
يكون لازمًا كَمَا سَبَقَ حيث قال: من هب من نومه إذا انتبه وهنا بمعنى نبهه وأيقظه. ونقل عن
ابن جني أنه لم أر له أصلًا إلا أن يكون عَلَى الحذف والإيصال وأصله هب بنا وميل
الكَشَّاف إلَى الأول حيث قال وعن بعضهم أراد هب بنا فحذف الجار وأوصل الْفعْل .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الجدف القبر وهو إبدال الجدث. قال الفراء العرب تعقب بين الفاء والثاء في اللغة فيقولون جدث
وجدف وهي الأجداف والأجداث .
قوله: يسرعون من نسل في العدو ينسل نسلًا ونسلًا أي أسرع .
قوله: وَقُرئَ «مَنْ هَبَّنَا» بمعنى مَنْ أهَبَّنَا. قال ابن جني: «من أهبنا» قراءة أبي بن كعب من أهبنا
بالهمز[عن ابن مسعود:"مَنْ أهَبَّنَا"، بالهمزة. وهي أقيس القراءتين. يقال: هَبَّ من نومه، أي: انتبه وأَهْبَبْتُهُ أنا، أي: أنبهته. قال:
أَلَا أَيُّها النُّوَامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ
فأما"هبَنَّي"أي: أيقظني فلم أر لها في اللغة أصلا، ولعلها لغة قليلة، ولا مَرَّ بنا مَهْبُوب، بمعنى مُوقَظ. وهي -مع حسن الظن بِأُبَيّ- مقبولة. وقد أثبتها أبو حاتم أيضا، اللهم إلا أن يكون حرف الجر معها محذوفا، أي: وهب بنا، بمعنى أيقظنا، ثم حُذف حرف الجر، فوصل الفعل بنفسه. وليس المعنى على من هَبَّ فَهَبَبْنَا معه كقولك: انتبَهَ وأَنْبَهَنا معه، وإنما معناه من أيقظنا. ألا ترى إلى قول الله"سبحانه" {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم} ليس معناه"تعالى"أنه ذهب وذهب بنورهم معه؟ هذا مدفوع عن الله تعالى، وإنما معناه: أَذْهَبَ نُورَهُمْ، فذَهَبَ بِهِ كأَذْهَبَهُ، أي أزاله وأنفده، فاعرف ذلك] إلَى هنا كلامه قوله وفيه
تَرْشيح ورمز أي في التَّعْبير بالهب الذي هُوَ بمعنى الإيقاظ تَرْشيح لاسْتعَارَة الرقاد للموت لأن
الإيقاظ لا يلائم المستعار منه وهو النوم ورمز إلَى أن الموت كالرقاد .