قَوْلُه تَعَالَى: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ(30)
قوله: (خصوصًا. وعن يَعْقُوب انطلقوا عَلَى الإِخبار عن امتثالهم للأمر اضطرارًا)
خصوصًا أي انطلقوا إلَى ظل خصوصًا. وعن يَعْقُوب هُوَ أحد الروايتين عنه عَلَى الْإخْبَار أي
بصيغَة الْمَاضي فحِينَئِذٍ يكون استئنافًا بيانيًا جواب سؤال مقدر بأنه هل يمتثل الأمر؟ فأجيب
بأنهم امتثلوا الأمر اضطرارًا ولذا ترك العطف، ولو أتى بالفاء فقيل فانطلقوا بيانًا لشدة
سرعتهم إلَى الامتثال لكان له وجه وجيه، وله نظائر كثيرة قال تَعَالَى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى
(19) فَأَلْقَاهَا) الآية. إذ النُّكْتَة مبنية عَلَى الإرادة.
قوله: (يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى:(وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) ظل
دخان جهنم أي ظل هُوَ دخان جهنم فالْإضَافَة بيانية ولذا قال لقوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ)
واليحموم دخان أسود فهو اسْتعَارَة تهكمية بتشبيه ما يعلو من الدخان بالظل
لتنزيل التضاد منزلة التناسب بواسطة التهكم مثل قَوْلُه تَعَالَى: (فَبَشّرْهُمْ بعَذَابٍ أَليمٍ)
أي نزل تعذيب الدخان بترويح الظل تنزيلًا له منزلة الترويح بواسطة التهكم
فشبه الدخان بالظل في إفادة الراحة فذكر لفظ المشبه به وأريد المشبه فيكون اسْتعَارَة
مصرحة تهكمية.
قوله: (يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب) وهذا من خواص
المشبه به فيكون تَرْشيحًا والاسْتعَارَة مرشحة. قوله يتفرق ذوائب أي يتفرق تفرق الذوائب
على نهج التشبيه البليغ.
قوله:(وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال
والوهم)لأن حجاب النفس العاصية عن أنوار القدس أي عن عالم الغيب الذي هُوَ
عبارة عن التوحيد وعن معارف الله تَعَالَى الحس أي الحواس الخمس الظَّاهرَة وثبوتها
بالاتفاق، وأما الحس المشترك فمذهب الفلاسفة وشرذمة قليلة من أصحابنا، والْمُرَاد
بالخيال الْقُوَّة المتخيلة والوهم أي الْقُوَّة الوهمية يريد به أنه لما كان الحجب ثلاثة
جعلت الشعب بعددها والْمُصَنّف اقتدى فيه بالإمام الرازي وتفسير الْقُرْآن بمثل هذه
النُّكْتَة [زلة] تحتاج إلَى توبة ولو قيل إنه لما كان الْكُفَّار أعرضوا عن التصديق بالجَنان
والإقرار باللسان والعمل بالأركان جعلت الشعب بعددها لكان أحسن البيان. والأَولى
تفويض علمه إلَى الملك المنان.
قوله: (أو لأن المؤدي إلَى هذا العذاب هُوَ الْقُوَّة الواهمة) أي ولأن المؤدي إلَى سبب
هذا العذاب هذه القوى الثلاثة إذا لم تكن مهذبة منقادة للعقل؛ إذ لا يوجد شر من الْإنْسَان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى الْإخْبَار. أي قرأ يَعْقُوب انطلَقوا بفتح اللام عَلَى صيغة الْمَاضي عَلَى أنه إخبار عن
وقوع انطلاقهم لا إنشاء كما في القراءة بكسر اللام.