اسْتعَارَة تبعية كما هُوَ الْمَشْهُور. قوله ناطقة بالحق صفة كاشفة لقوله مستقيمة وفيه اسْتعَارَة
تبعية فكن عَلَى بصيرة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ(4)
قوله: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ) كلام مستأنف بياني كأنه قيل: ما بال الَّذينَ أوتوا الْكتَاب حين
جاءتهم البينة؟ فأجيب بذلك ومنشأ السؤال ما قبله فإنه لما قيل لم يكن هَؤُلَاء منفكين حتى تأتيهم
البينة فإنه وإن فهم فيه أنهم كانوا منفكين حين جاءتهم البينة فإن مفهوم الغاية معتبر بالاتفاق. أما
عند الشَّافعي فبطَريق مفهوم المخالفة، وأما عندنا فبإشَارَة النص لكن أريد التصريح فسئل عنه
وأجيب بهذا، ولك أن تقول: إنه استئناف نحوى مسوق لبيان ما يفهم من الغاية صراحة.
قوله: (عَمَّا كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه) عَمَّا كانوا عليه من دينهم
ناظر إلَى الوجه الأول في تفسير منفكين. قوله بأن آمن متعلق بـ تفرق. قوله أو تردد في دينه
عطف عليه. والبعض الآخر بأن أصر عَلَى كفرهم وأشار المص بهذا الْمَعْنَى إلَى دفع ما
يتوهم من التناقض بينها وبين الآية الأُولى فإنه قد عرفت أن مفهوم الغاية معتبر اتفاقًا
[فتقتضي] الآية الأولى أنهم كانوا منفكين عن دينهم الباطل وهذا الْقَوْل يقتضي أن كفرهم باقٍ
بعد مجيء البينة. وأَشَارَ إلَى دفعه بأن الْمُرَاد تفرقهم بعد مجيء البينة بأن آمن بعضهم أو
تردد في دينه وأصر بعضهم عَلَى الكفر فالإتيان إخبار من الله تَعَالَى فلا تناقض ولا توهم
التناقض أما عَلَى الأول فلأن الْمُرَاد بالانفكاك عن دينهم التفرق الْمَذْكُور، والانفكاك لا
يقتضي انفكاك الجمع عن دينهم بل يكفي انفكاك بعضهم عنه مع إصرار بعضهم عَلَى الكفر
وإن أبيت عن ذلك فاجعل ذلك من قبيل إسناد ما للبعض إلَى الكل مَجَازًا. قال المص في
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من سورة الممتحنة من
تمام قوله المستثني ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه انتهى. ونقول هَاهُنَا
ولا يلزم من الحكم عَلَى المجموع بانفكاكه عن دينهم انفكاك جميع أفراده عنه بل هذا
أظهر مما ذكره في الاستثناء.
قوله: (أو عن وعدهم) باتباع الحق والإيمان بالرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (بالإصرار عَلَى الكفر) متعلق بالمنفي وهو التفرق بملاحظة توجه النفي إليه أي
ما تفرقوا عن ذلك (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) فحِينَئِذٍ تفرقوا بانجاز الوعد وعدمه أي
فمنهم من وفَّى بالوعد بسبب الإيمان به أي بالحق ومنهم من ترك الوفاء ومعنى تفرقهم
أنهم صاروا فرقًا مختلفة عَلَى الوَجْهَيْن، والْقَوْل بأن تفرقهم عَلَى الثاني بمعنى انفصالهم
ومفارقتهم ضعيف؛ لأنه يشعر أن أحدًا منهم لم يؤمن ولم يوف بالوعد وليس تفرقهم بأن
أوفى وعده بعضهم وعدم وفاء بعض آخر، وهذا مخالف للوجه الأول.