ولها معنى غيره ولذا فسره به، ولفظ بعد لإظهار ما في لما من معنى التوقع. قال المص في
أوائل سورة (قَدْ أَفْلَحَ) ولفظة قد يثبت المتوقع كما أن لما تنفيه. والْمَعْنَى
أن العذاب عَلَى شرف الوقوع لكنه لم يقع بعد فلذا لم ينزل عنهم الشك .
قوله:(فإذا ذاقوه زال شكهم، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب
فيلجئهم إلى تصديقه)زال شكهم. أشار به إلَى أنه إضراب عن الأول قبله ولم يكن الحسد
مذكورا في النظم صريحًا، فلا وجه لجعله إضرابًا عن مجموع الْكَلَامين عَلَى أن الْمَعْنَى أن
حسدهم وشكهم لا يزولان إلا بذوقهم العذاب. قوله حتى يمسهم العذاب وهذا معنى ذوق
العذاب اسْتعَارَة .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ(9)
قوله:(بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها
عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم، والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على
مَن يَشَاء مِنْ عباده لا مانع له)بل أعندهم اختار كون أم منقطعة ؛ إذ لا مساغ لكونها متصلة
فيقدر بـ بل والهمزة فيكون إضرابًا عن الإضراب الثاني مع إنكار مدخولها. قوله وفي تصرفهم
معنى عندهم للإشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالعندية الملك والتصرف ؛ إذ مجرد الحضور بدونهما لا
يفيد ولا يراد فهو كقَوْله تَعَالَى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) الصناديد جمع
صنديد أي الرئيس، والمنكر كون الخزائن عندهم، ولذا قدم عندهم ؛ إذ المنكر ما يلي الهمزة
الظَّاهر أن تقديم الظَّرْف للقصر قصر إفراد فإن قولهم: (أأنزل عليه الذكر) الخ.
نزل منزلة من ادعى اشتراك خزائن الرحمة فأنكر ذلك وأثبت له تَعَالَى، وأما جعله قصر قلب
كما قيل فضعيف ثم الظَّاهر أن يكون الْمَعْنَى اخْتصَاص الإنكار بهم لا إنكار التَّخْصِيص بهم
لما ذكرنا آنفًا في الهامش، وفي إضافة الرحمة إلَى ضمير الخطاب مزيد لطفه تَعَالَى له عليه
السلام، ولفظ العزيز والوهاب أوقع هنا من بين الأسماء الحسنى كما نبه عليه المص في
التحرير والتقرير .
قوله:(فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء
لمن يشاء)فإنه هُوَ العزيز الخ. إشَارَة إلَى أن العزيز بمنزلة التعليل للمقدر الْمَذْكُور، وكذا
الوهاب تعليل للتفضل لف ونشر غير مرتب. قوله كل ما يشاء إشَارَة إلَى أن الحذف للتعليل
في الْمَفْعُول ويدخل النبوة فيه دخولًا أوليًّا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بل أعندهم. أي ما هم بمالكي خزائن الرحمة والعطية حتى يصيبوا بها من شاءوا
ويصرفوها عمن شاءوا حتى يختاروا للنبوة بعض صناديدهم ويعطوا عطية النبوة ويترفعوا عن
محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها والتصرف فيها العزيز القاهر عَلَى خلقه، الوهاب
الكثير المواهب المصيب بها مواقعها يقسمها عَلَى ما تقتضيه حكمته كما قال(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ
رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا).