قوله: (كما في قَوْله تَعَالَى:(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ)وأمثال ذلك دليل عَلَى أن ابتداء تَكْذيبهم لم يكن إلا الحسد
وقصور النظر عَلَى الحطام الدنيوي) عَلَى رجل وهو الوليد بن مغيرة في مكة وعروة بن
مسعود الثقفي الطائف (من القريتين) من إحدى القريتين فإن الرسالة
منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ولم يتفطنوا أنها رتبة روحانية لا جسمانية تقتضي عظيم
النفس بالتجلي بالفضائل لا التزين زينة دنيوية والحسد ناظر إلَى كونه مثلهم بشرًا أو أميًّا.
قوله: وقصور النظر إلَى كونه أدونهم في الشرف والحِطام بكسر الحاء الحطب أطلق عَلَى
زينة الدُّنْيَا ومتاعها تهوينا لهم وإشَارَة إلَى أنهم كالبهائم في عدم إدراك الْكَمَالات القدسية
وأنها مقتضى الرسالة .
قوله: (من الْقُرْآن أو الوحي) سمي ذكرًا لاشتماله الذكر أو الوحي ترديد في العبارة ؛ إذ
الوحي هُوَ الْقُرْآن هنا، ولفظة بل للإضراب عن جميع ما قبله، والأَولى كونها للترقي في الذم
واللوم ويؤيده مجيء في شك بالظرفية المجازية كأن الشك أحاط بهم إحاطة الظَّرْف
بالْمَظْرُوف فهو أبلغ من قوله وهم شاكون أو يشكون .
قوله:(لميلهم إلَى التقليد وإعراضهم عن الدليل، وليس في عقيدتهم ما يبتون به
من قولهم هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ)لميلهم إلَى
التقليد تعليل لشكهم فيما ذكر لكن التقليد يفيد الاعتقاد الغير الجازم لا الشك كما قرر في
محله، إلا أن يقال إن المقلَّد بفتح اللام عَلَى الشك. قوله ما يبتون من البت وهو القطع وهي
النسخة الصحيحة وضمير يبتون راجع إلَى التابع المقلِّد بكسر اللام والمتبوع وهو المقلد
وهذا يؤيد ما ذكرناه ولما لم يوجد القطع فقولهم هذا من الأوهام الباطلة لأن أدلة
التوحيد أكثر من أن تحصى .
قوله: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ) بعد نبه به عَلَى أن لما نافية هنا مثل لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وليس في عقيدتهم ما يبتون به. أي ما يقطعون به. قوله من قولهم (هذا ساحر كذاب)
بيان ما أي ليس حاصلًا في قلوبهم ما قطعوا به في ظَاهر كلامهم حيث قَالُوا عَلَى البتات
(هذا ساحر كذاب) و (إن هذا إلا اختلاق) قالوه عَلَى وجه البت والقطع
حَسَدًا وعنادأَ لا اعتقادًا وجزمأ في قُلُوبهمْ وليس في قُلُوبهمْ إلا الشك في أمر الْقُرْآن، وهذا توجيه
لما يرى من أن وصفهم بالشك في أمر الْقُرْآن يخالف ظاهرًا قطعهم بقولهم (إن هذا إلا اختلاق)
بحمل صورة قطعهم عَلَى حسد منهم حَيْثُ أظهروا البت والقطع حسدًا وما في قُلُوبهمْ
خلاف ما أظهروه من البتات لأنهم في مرية منه. قال العلامة الزمخشري وقولهم (إلا اخْتلَاق)
كلام مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه عَلَى سبيل الحسد .