فالسبب كف النفس عن ذلك باختياره، فعلى هذا التقدير يكون في النظم الكريم إيجاز الحذف
أكثر من جملة كما هُوَ عادة التنزيل الحكيم وسلك هنا متعد بمعنى أدخل.
قَوْلُه تَعَالَى: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)
قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) الصلاة الواجبة)(لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلِّينَ)أبلغ من لم نصلِّ لدلالته عَلَى الدوام وكذا ما بعده لكن الْكَلَام
على الدوام في النفي دون نفي الدوام قدم الصلاة لأنها أفضل القربات وأن الْمُرَاد بهما
جميع الطاعات كما مَرَّ مرارًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)
قوله: (ما يجب إعطاؤه) إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالإطعام الإعطاء مُطْلَقًا مَجَازًا بذكر
الجزء وإرادة الكل. وجه التَّخْصِيص أن معظم المرام الأكل والإطعام.
قوله: (وفيه دليل عَلَى أن الْكُفَّار مخاطبون بالفروع) قد مَرَّ هذا مرارًا. وفي التوضيح
الْكُفَّار مخاطبون بالإيمان والعقوبات والعاملات إجماعًا، وأما العبادات فهم مخاطبون في
حق المؤاخذة اتفاقًا أَيْضًا لقَوْله تَعَالَى (ما سلككم في سقر) الآيات، وأما
في حق وجوب الأداء فمختلف فيه. قال العراقيون من مشايخنا: نعم وقال مشايخ ديارنا لا.
وما ذكر في التوضيح مذهب أئمتا الْحَنَفيَّة، وعند الشَّافعي وهم مخاطبون بالفروع، وكلام
الْمُصَنّف بناء عليه والْكَلَام عَلَى وجه الشبع في كتب الأصول، وأما المنكرون له فيقولون
معنى ( [لَمْ] نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) ولم نعتقد وجوب الصلاة ولا الزكاة ولا
غيرهما، ولا خلاف في المؤاخذة في الْآخرَة عَلَى ترك الاعتقاد ويؤيده وقوعه في جنب
قوله: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ) الآية. وهذا وإن كان هُوَ خلاف الظَّاهر لكن له مساغ
بهذه القرينة فلا يبعد حمله عَلَى هذا الْمَعْنَى كل البعد.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)
قوله: (نشرع في الباطل مع الشارعين فيه) أي الخوض شاع في هذا الْمَعْنَى وإن كان
أصله الدخول في البحار والأنهار فصار حَقيقَة عرفية ويمكن حمله عَلَى الاسْتعَارَة وهذا
مثل قولهم إن الْقُرْآن [سحرٌ أوْ أساطير] الأولين وإن مُحَمَّدًا [شاعرٌ أوْ ساحرٌ] .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)
قوله: (أخَّره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالْقيَامَة) فإن المعظم قد يؤخر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: نشرع في الباطل. عن بعضهم الخوض اسم غالب في الشروع كالخلود في إقامة لا
انقطاع لها، وكَذَلكَ قولهم كلمة يذكرك غالب في الشر وعليه قَوْلُه تَعَالَى: (فَتًى يَذْكُرُهُمْ) .