قوله: (يجعلك داريًا بحاله) إشَارَة إلَى أن همزة الإفعال للتعدية. قوله بحاله إشَارَة إلَى
أن مَفْعُوله مقدر دون قوله: (لعله) الخ. فتم الْكَلَام به ويحسن الوقف عليه
لأن لعل ابتداء كلام. وقيل لعله ساد مسد مَفْعُوله؛ إذ الْفعْل متعلق به؛ إذ الترجي جار مجرى
الاسْتفْهَام في كونه للطلب كذا نقل عن الدر المصون وأبي حيان. فلا يقدر حِينَئِذٍ بحاله، وما
اختاره الْمُصَنّف أقل تكلفًا. نعم قوله لعله الخ. بيان حاله المقدر.
قوله: (لعله يتطهر من الآثام) والترجي من ابن أم مكتوم - رضي الله تَعَالَى عنه - لا من
النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه تولى عن تعليمه ظاهرًا فلا يكون الترجي منه ولا من الله تَعَالَى كما
قيل. وكلمة (لعل) مع تحقق التزكي واردة عَلَى سنن الكبرياء فإنه وإن صح بهذا الوجه أي
اسْتعَارَة لكنه تكلف مع أن الْمُنَاسب للمقام كون الترجي منه - رضي الله تَعَالَى عنه - لقوله:
علمني مما علمك الله تَعَالَى. وفي قوله يتطهر اسْتعَارَة تبعية وقرينة للاسْتعَارَة المكنية في
الآثام لأنها شبهت بالأوساخ والتطهر تخييلية.
قوله: (بما يتلقف منك، وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره) بما يتلفف أي يتلقى
منك والتلقف والتلقي متقاربان معنى وما يتلقف العلم بالأحكام وفيه تشبيه بالماء المطهر
فهو اسْتعَارَة مكنية أيضًا، والْمُرَاد التطهر بالكلية فلا إشكال لأنه تَحْصيل الحاصل فإن
الْإسْلَام وإن كان يجبُّه لكن الْمُرَاد الآثام التي بعد الْإسْلَام؛ إذ الْإنْسَان لا يخلو عن تقصير ما
على أن الْإسْلَام لا يجبُّ حقوق العباد، فلا وجه لما قيل من أن قوله: (يزكى)
للتعريض بأنه كان لتزكية غيره لا لإفادة تزكيته لأنه كان مجدًا في متابعة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وهذا بناء عَلَى الذهول عن قَوْلُه تَعَالَى، (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) كما
سيجيء عن قريب فوجه الإيماء الْمَذْكُور وهو أنه تَعَالَى لما بين أنه جاء لطلب التزكي فلا
يناسب التعبس له فُهم من عرض الْكَلَام أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ أعرض عنه لتزكية غيره من
الصناديد لكونه أهم لما مَرَّ من إزاحة الشرك وتطهير الْأَرْض عنه إعلاء دين الله تَعَالَى وهو
أول المطالب وأقوى المناقب وفيه إقرار منه [ببعض] ما ذكرناه فلا تغفل.
قوله تَعَالَى: (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى(4)
قوله: (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ) عطف عَلَى يتزكى. أي أو لعله يذكر وعطفه بـ أو لأن أحد الأمرين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. وجه إيمائه إلَى هذا الْمَعْنَى أن مثل هذا الْكَلَام
إنما يقال في محل يكون غرض المتكلم تزكية النفوس بالنصح والموعظة فلما توجه - صلى الله عليه وسلم - إلَى الغير
معرضًا عن الأعمى ظهر منه أن غرضه تزكية غيره فقيل ل: ه أعرض عن الأعمى لعل ذلك الغرض
يوجد فيه. قال صاحب الكَشَّاف: والْمَعْنَى: أنك لا تدرى ما هو مترقب منه، من تزكّ أو تذكر، ولو
دريت لما فرط ذلك منك. يعني أن في كلمة الترجي الذي يعطيه لعل تمهيد عذر له صلوات الله
عليه وسلامه جبرًا لذلك الخطاب المشتمل عَلَى التوبيخ. يعني أعذرناك لأنك حريص عَلَى إسلام
القوم فأدي اجتهادك إلَى أن تُقبِل عليهم وتُعرض عن الأعمى ولو دريت ما فعلت ذلك. أي وإن
خفيًا لك يا رسول الله كأن الله تَعَالَى يعتذر من قبل رسوله - صلى الله عليه وسلم -.