قوله: (عن الحق) وهو التوحيد وسائر الاعتقاديات والإدبار عنه كناية عن عدم
الالْتفَات إليه وهو أبلغ من التولي أي الإعراض أيضًا.
قوله: (عن الطاعة) أي عن الطاعة بالْأَعْمَال الصالحة ليكون تأسيسًا لا تأكيدًا لما قبله.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى(18)
قوله: (وجمع المال فجعله في وعاء وكنزه حرصًا وتأميلًا) وجمع المال أي الْمَفْعُول
مَحْذُوف وهو المال فجعله في وعاء أي همزة الإفعال للتعدية وكنزه بيان لـ أوعى. قوله
حرصًا علة حصولية لجمع المال وتأميلًا أي طول الأمل علة للثاني كما هُوَ الظَّاهر. وقد
ادعى البعض أن الأَولى كون كل منهما علة لكل منهما. قوله وكنزه إشَارَة إلَى أن قبح ذلك
عدم أداء زكاته فإن المال الذي أدى زكاته وسائر حقوقه لا يسمى كنزًا مذمومًا وتفصيله في
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ) الآية. قَوْلُه تَعَالَى: (إنها لظى)
علة للردع إلَى هنا كأنه قيل: لا فَائدَة في هذا التمني لأن جهنم متلظية دائمة
لهبها نزاعة قالعة أطراف الأعضاء وجاذبة من كفر باللَّه تَعَالَى وجمع المال ولم يؤد حقه
لإنكاره الْآخرَة فلا خلاص عنها فالتمني الْمَذْكُور عبث جدًا لا يغني شَيْئًا أصلًا وقد عرفت
أن هذا الردع قبل وقوع التمني لتحقق وقوعه فنزل ما هُوَ متحقق الوقوع منزلة الواقع.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)
قوله: (شديد الحرص قليل الصبر) هذا حاصل الْمَعْنَى؛ إذ الهلع سرعة الجزع عند مس
المكروه وسرعة المنع عند مس الخير من قولهم: ناقة هلوع سريعة السير كما في الكَشَّاف. قوله
شديد الحرص إشَارَة إلَى الوصف الثاني قليل الصبر إلَى الوصف الأول فقوله: (إذا مسه الشر)
أي الفقر والمرض جزوعًا يكثر الجزع (وإذا مسه الخير)
السعة والغنى وكذا الصحة. (منوعًا) يبالغ في الإمساك ومنع حقوق الله تَعَالَى تفسير لـ هلوعًا وجملة
أن الْإنْسَان علة لما قبله من جمع المال وكنزه. أما كون الثاني علة فظاهر، وأما الأولى فلأن فرط
الجزع عند مس الفقر فلشدة حرصه عَلَى جمع المال فالهلع صقة مركبة من صفتين مذمومتين
وهذا وإن لم يوافق ما ذكره الْمُصَنّف لفظًا لكنه موافق معنى.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)
[ (الضر يكثر الجزع) ] .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)
[وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ السعة]
قوله: (يبالغ في الإمساك والأوصاف الثلاثة أحوال مقدرة) وهو هلوع وجزوع ومنوع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: حرصًا وتأميلًا. التأميل الرجاء الطويل من أمل خيره يأمله والأمل الرجاء.
قوله: يكثر الجزع. معنى الإكثار مُسْتَفَاد من صيغة فعول وفسر منوعًا بالمُبَالَغَة في الإمساك
ومعنى المُبَالَغَة أيضًا مدلول لفظ فعول حيث وضعت هذه الصيغة للمُبَالَغَة.
قوله: والأوصاف الثلاثة أحوال مقدرة أو محققة. الْمَعْنَى عَلَى الأول خلق الْإنْسَان مقدرًا