قَوْلُه تَعَالَى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)
قوله: (فأصروا عَلَى تَكْذيبه) بعد ما ألزمهم الحجة إشَارَة إلَى معنى الفاء وإن معناه
البعدية لا يلاحظ فيه التعقيب حيث لم يقل عقيب ما ألزمهم الحجة وهي قوله:(إِنْ كَانَ
كَبُرَ)الآية. فإنه قد بينا فيما سبق أن ذلك من أقوى المعجزات وأبهر الْبَيّنَات .
قوله: (وبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم) أي بقوله: (فإن توليتم)
حيث نفي الطمع الدني عن نفسه الشريفة .
قوله: (لا جرم) فعل أو مصدر وسيجيء التَّفْصيل في سورة النحل من مَوْلَانَا سعدي
نقلًا عن أبي البقاء .
قوله: (حقت) أي ثبت ووجب بمقتضى وعيدنا كلمة العذاب وهي قَوْلُه تَعَالَى:
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) قيل قوله لا جرم توطئة
لتفريع قوله: (فنجيناه) لا إشَارَة إلَى أن الفاء فصيحة أي فحقت(عليهم
كلمة العذاب) (فنجيناه) انتهى. كون الفاء تفريعية باعْتبَار وأغرقنا إذ
الفاء منسحب إليه والواو قائم مقامها وذكر نجيناه لبيان نجاة المخلصين أولًا اهتمامًا
لشأنهم ك علو منزلتهم مع أن نجاة الْمُؤْمنينَ عقوبة للمجرمين وبهذا الاعتبار حسن
وقوعه في حيز التفريع .
قوله: (من الغرق) بدلالة قوله وأغرقنا. وقيل من أيدي الكفرة ولا يناسب ما بعده
ومن معه وهم من آمن به في الفلك متعلق بـ معه أو بـ نجينا أو حال من الموصول أو الضَّمير
في معه وهذه احتمالات أربعة قد ذكرها في سورة الأعراف وأوضحنا هناك ما هُوَ الراجح
وما هُوَ مستلزم للآخر .
قوله: (وكانوا ثمانين) أربعون منهم رجال وأربعون نساء وهذا هُوَ الْمُخْتَار ونقل في
سورة الأعراف الْقَوْل بأنهم تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به ولا تساعده
الرّوَايَة، ولذا تركه هنا وضعفه هناك ويسيجيء من الْمُصَنّف أنهم تسعة وسبعون لكن الْمُخْتَار
ما اخْتيرَ هنا جعلناهم خلائف في مساكنهم وأراضيهم؛ إذ الْمُرَاد بالمسكن العرصة لا البناء .
قوله: (من الهالكين به) أي بالغرق لفظة من هنا بدلية أي بدل الهالكين كقَوْله تَعَالَى:
(أرضيتم بالحياة الدُّنْيَا من الْآخرَة) أي بدل الْآخرَة وقد أوضحناه هناك .
قوله: (بالطوفان) أي السيل المغرق كما سيجيء التَّفْصيل في قَوْله تَعَالَى:(وَهِيَ
تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ)الآية. الباء في بالطوفان للآلة، وأما سبب الغرق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فأصروا عَلَى تَكْذيبه. وإنَّمَا فسره بالإصرار لا بحَقيقَة التَّكْذيب الذي هُوَ إحداث فعله
لأن صدور أصل التَّكْذيب قد علم مما تقدم من الآيات .