قوله تَعَالَى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)
قوله:(استولى عليهم من حذت الإِبل وأحذتها إذا استوليت عليها، وهو مما جاء
على الأصل)استولى عليهم. أي غلب عَلَى عقولهم بإغوائه حتى اتبعوه فكأنه مستول
عليهم فلا ينافي قَوْله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) لأن المنفي
التسلط بالإلجاء إلَى الكفر والمعاصي والمثبت هنا الاستيلاء بالوسوسة فلا تناقض لعدم
اتحاد النسبة.
قوله: (فَأَنْساهُمْ) الفاء للسببية وإسناد الإنساء إليه مجاز للسببية.
قوله: (لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم) أي لا يقدرون ذكرهم بقلوبهم وهي مقر
التصديق. ولا بألسنتهم وهي آلة الإقرار الدال عَلَى التصديق، والعموم مُسْتَفَاد من إطلاق الذكر
لكنه لما كان الْمُرَاد الْمُنَافقينَ فَكَيْفَ يصح نفي ذكرهم بألسنتهم إلا أن يراد ذكر معتد به.
قوله: (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) ختم الْكَلَام بما يناسب ابتداءه.
قوله: (جنوده وأتباعه) يستخدمهم في إغواء المكلف، وجمع الجنود لأن الحزب
اسم جنس.
قوله: (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ؛ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: من حذت الإبل. قال الْجَوْهَريُّ: العوذ السوق السريع تقول حذت الإبل أحوذها حوذًا
وأحوذتها مثله. والأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه. وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور
القاهر لها الذي لا يشذ عليه منها شيء. وفي الأساس: ومن الْمَجَاز رجل أحوذي يسوق الأمور إلَى
أحسن المساق. وفي الْحَديث:"مؤمن خفيف [الحاذ] "أي خفيف الظهر، والحاذان ما وقع عليه الذنب
من أدبار الفخذين. فمعنى (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) استاقهم مستوليًا عليهم. قَالَ الطيبي: الحوذان يتبع
[السائق] حاذي البعير. أي أدبار فخذيه فيعنف في سوقه. قال الزجاج: استحوذ استولى يقال حذت الإبل
وحذوتها إذا استولت عليها وجمعها، وهذا مما خرج عن أصله ومثله أحوذت وأطيبت والأكثر
أحذت وأطبت إلا أن استحوذ جاء عَلَى الأصل؛ لأنه لم يقل عَلَى حاذ لأنه إنما بني استفعل في أول
وهلة كما بني افتقر عَلَى أفعل من الفقر، ولم يقل منه فقر ولا استعمل بغير زيادة ولم يقل حاذ
عليهم الشيطان، ولو جاء استحاذ لكان صوابًا، ولكن استحوذ هَاهُنَا أجود؛ لأن الْفعْل في هذا الْمَعْنَى لا
يستعمل إلا بزيادة. أقول: يرد قولهم حذف الإبل فإنه من حاذ يحوذ.