قوله:(والزُّورِ من الزور وهو الإِنحراف كما أن الإِفك من الإِفك وهو الصرف، فإن
الكذب منحرف مصروف عن الواقع)لم يقيده بالْقَوْل للتعميم إلَى الْقَوْل والْفعْل كما نبهنا
عليه قوله والزور بفتحتين وكذا الإفك.
قَوْلُه تَعَالَى: (حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ
الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31)
(مخلصين له وهما حالان من الواو) .
قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) كالتَّأْكيد لـ غَيْرَ مُشْرِكِينَ.
قوله: (لأنه سقط من أوج الإِيمان إلى حضيض الكفر) من أوج الإيمان الْإضَافَة بيانية
من قبيل لجين الماء وكذا حضيض الكفر، فالسقوط من علو إلَى سفل مُطْلَقًا. وجه الشبه
والمشبه به محسوس والمشبه معقول. وقيل أوج الإيمان اسْتعَارَة ولا يظهر وجهه. وقيل وهي
لفظة هندية معربة كما في بعض كتب الهيئة والْمُتَبَادَر من السقوط أنه ممن كان من الْمُؤْمنينَ
ثم ارتد العياذ باللَّه تَعَالَى والإشراك مطلق الكفر وإلا فيجعل تمكنه من الإيمان بمنزلته
بالْفعْل فينتظم السقوط له أَيْضًا.
قوله: (فإن الأهواء المردية توزع أفكاره) أي المهلكة أو الرديئة أي الدنية وهي ما لا
يوافق الشرع والهوى رأي متبع للشهوة فإن كانت الشهوة مستقيمة فالهوى التابع لها مستقيم
أَيْضًا، وإلا فلا توزع أفكاره أي فرق لأنه مضارع وزع بمعنى فرق قيل إنه إشَارَة إلَى أنه تشبيه
مفرق حيث شبه [الإيمان] بالسماء لعلوه والكفر بالسقوط منها والأفكار الموزعة لإنكاره بطيور
جارحة مختطفة والشَّيْطَان المضل بريح عاصفة ألقته في مهاوي مهلكة، والظَّاهر أن قوله فتخطفه
[الطير] اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من الهواء المردي وتفريقه الأفكار المؤدية إلَى
المطالب العلية بحَيْثُ لا يكون لجمعه مساغ بالهيئة المنتزعة من الطير [الجارحة] والصيد وتفريق
أعضاء الصيد إلَى جهات مختلفة يتعسر أو يتعذر جمعها فاستعمل اللَّفْظ الموضوع للمشبه به في
المشبه وكذا الْكَلَام في قَوْله تَعَالَى (أو تهوي به الريح) الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (مخلصين له الدين) معنى الْإخْلَاص مُسْتَفَاد من اللام الجارة في
الله أي مائلين عن الباطل إلَى الدين الحق مخلصين عبادتكم لوجه الله. أي جاعلين عبادتكم أو
ميلكم ذلك خالصا لوجه الله غير مرائتن فيها. قوله فإن الأهواء [الرديئة] توزع أفكاره يعني شبهت
الصورة الحاصلة له مما وزعت وفرقت أهواءه أفكاره إلَى ما يليق أن يتفكر ويصرف فيه من
الأباطيل وضيعت رأس ماله هي الفطرة السليمة القابلة للكمالات بصرفها إلَى ما يكدرها ويدنسها
من جهالات الكفر والمعاصي بصورة خطف الطير فيكون تشبيهًا تمثيليًا.