قوله:(وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين
هو حول العرش، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة أعلى المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا
يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقًا والنزاع فيه)فغايته تفضيل المقربين هذا ينافي
ما ذهب إليه جُمْهُور مشايخنا من أن خواص البشر أفضل من الْمَلَائكَة، فالأولى في الْجَوَاب
أن يقال إن الآية تدل عَلَى أن الْمَلَائكَة المقربين أفضل الخلائق بمعنى أقربهم منه تَعَالَى كما
أشار إليه في سورة النبأ ولا نزاع في ذلك بل النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب وبهذا
يحصل التوفيق بين الأدلة والنصوص .
قوله: (ومن يستنكف عن عبادته) أي عن طاعته فيَشْمَل جميع
الكفرة لعدم إطاعتهم له تَعَالَى وعدم إطاعتهم له تَعَالَى وإن كان من جهة إنكار الرَّسُول
وكون الأمر من جهته تَعَالَى لا بطَريق الاستنكاف لكن استنكافهم عن طاعة الرَّسُول
استنكاف عن طاعته تَعَالَى ولا بعد في أن يراد الاستنكاف عن عبوديته تَعَالَى بعد معرفته بل
هذا أوفق لكون هذا مقررًا لما سبق .
قوله:(ومن يرتفع عنها، والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل
من حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق)والاستكبار دون الاستنكاف ؛ إذ
الاستكبار الأنفة عَمَّا لا يَنْبَغي أن يؤنف عنه، وأصله طلب الكبر بمعنى طلب تَحْصيله مع
اعتقاد عدم حصوله فيه والتَّعْبير به للإشعار بأنه ليس هناك شيء سوى الطلب والاستنكاف
منبئ عن توهم لحوق العار والنقص عن المستنكف .
قوله: (فيجازيهم) أي الْمُرَاد بقوله: (فَسَيَحْشُرُهُمْ) لازمه وهو المجازاة .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا
نَصِيرًا (173)
قوله: (تفصيل للمجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الْكَلَام وكأنه قال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تفصيل من مجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الْكَلَام أي قَوْلُه تَعَالَى:(فأما الَّذينَ
آمنوا)إلَى آخر الآيات تفصيل للمجازاة العامة الشاملة للمؤمن والكافر المدلول عليها
من فحوى قوله عز وجل: ( [فَسَيَحْشُرُهُمْ] إِلَيْهِ جَمِيعًا) لا من حاق اللَّفْظ لأن من في
(ومن يستنكف) والضَّمير راجع إليه في (فَسَيَحْشُرُهُمْ) عبارة عن
الكافر فقط ليس بشامل للمؤمن والكافر حتى يكون قوله: (فأما الَّذينَ آمَنُوا) (وأما الَّذينَ استنكفوا)
تفصيلًا له بل معنى المجازاة العامة الشاملة للجميع سماد من دحرى الْكَلَام الصادق
وهو (فَسَيَحْشُرُهُمْ [إِلَيْهِ] جَمِيعًا) وذلك أنه دل عَلَى أن الحشر لمجازاة العباد مُؤْمنينَ كانوا أو
كافرين، فأورد الْكَلَام الواقع بعده التَّفْصيل العام المدلول عليه بفحوى الْكَلَام السابق وإن كان الْمَعْنَى
المُسْتَفَاد من حاق اللَّفْظ مَخْصُوصًا. والحاصل أن الوارد بعده لتفصيل العام الذي دل عليه ذلك الْكَلَام
الضمني وهو يوم يحشر العباد للمجازاة فهذا من باب التقسيم بعد الجمع وهو من محسنات الْكَلَام .