الدم نفد من الجرح ونفد الماء من البئر والعقل من السكران ونزحت الركية أي ماءها حتى
نزفتها أي حتى لم يبق فيها شيء الركية البئر والاسْتمْرَار المُسْتَفَاد من الْجُمْلَة الاسمية ناظر
إلى النفي فهو لدوام النفي لا لنفي الدوام .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ(48)
قوله: (وعندهم) أي عند أهل الجنة (حور قاصِراتُ الطَّرْفِ) .
وهذا أبلغ من قوله (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) الآية. لما بين الله تَعَالَى مطاعم
أهل الجنة ومساكنهم أولًا ومشاربهم ثانيًا أخبر ثالثًا بأن له أزواجًا مطهرة لأن معظم اللذات
الحسية المساكن والمطاعم والمشبارب والمناكح قدم الأهم فالأهم والله تَعَالَى أعلم .
قوله: (قصرن أبصارهن عَلَى أزواجهن) فلا ينظرن بغيرهم أصلًا ويؤيده قَوْلُه تَعَالَى:
(حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) فلا وجه لحمله عَلَى كناية شدة الحسن
المانع عن رؤية غيره أو كناية عن فرط المحبة .
قوله: (نُجل العيون جمع عيناء) نُجل العيون بضم النون وهي العين التي اتسع شقها
على وجه الاعتدال جمع عيناء كما أن النجل جمع نجلاء فإنها ممدوحة قطعًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ(49)
قوله: (شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض) تَخْصيص
بيض النعام بقرينة قوله: (مكنون) أي مصون فإن النعام لكونها تبيض
في الفلاة تبعد عن أن يمس بيضها ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة مع لمعان ويدل عليه قوله
تَعَالَى: (في مَوْضع آخر (وَحُورٌ عِينٌ(22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) .
والدر بياضه مشوب بالصفرة وبهذه القرينة خص البيض [ببيض] النعام .
محوله: (المخلوط بأدنى صفرة فإنه أحسن ألوان الأبدان) فإن البياض الصرف غير
ممدوح في الرجال والنساء، وإنما يمدح إذا شابه قليل حمرة في الرجال وصفرة في النساء
ولذا قال المص المخلوط بأدنى صفرة ولم يقل بأدنى حمرة، وقَوْلُه تَعَالَى: (كأنهن الياقوت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: [شبههن ببيض النعام المصون عن] الغبار ونحوه. معنى المصون مُسْتَفَاد من وصفه
بالمكنون فإنه من كنيت الشيء أي سترته وصنته من الشمس، وقوله في الصفاء والبياض بيان لوجه
التشبيه خص البيض وهو مطلق ببيض النعام بناء عَلَى ما هُوَ المتعارف فيما بين العرب من تشبيه
النساء ببيض النعام وتسميتهن بيضات الخدور. قال صاحب المطلع: شبهن ببيض النعام المكنون في
الأداحي التي لا يصيبها شمس ولا ريح ولا غبار فيتغير لونها. إلَى هنا كلامه. الأداحي جمع أدحى
وهو مَوْضع النعامة الذي يفرخ فيه وهو أفعول من دحوت بمعنى بسطت ويقال للفرس من يدحو
دحوًا وكَذَلكَ إذا رمى بيديه رميًا لا يرفع سنبكه عن الْأَرْض لأنها يدحوه برجلها ثم تبيض وليس
للنعام عش .