قوله: (أو تطلع عَلَى عورات) وأنت تعلم أن الْكَلَام في بيوت غير مسكونة فأنى له
تطلع عَلَى عورات. أي عيوب وبين علته صاحب اللباب لأن الاستئذان إنما جاء لئلا
يطلع عَلَى عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول لأنه مأذون فيها عرفًا انتهى. وقوله عرفًا
يندفع به إشكال وهو أن التصرف في ملك الغير محظور فَكَيْفَ يسوغ الدخول بلا إذن وإن
لم يطلع عَلَى عورات.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30)
قوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا) الآية. يغضوا مجزوم عَلَى أنه جواب لـ قل
قال النحرير في المطول: وأما قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ [لِعِبَادِيَ] الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
فلأن الشرط لا يلزم أن يكون علة تامة لحصول الْجَزَاء بل يكفي في ذلك توقف الْجَزَاء
عليه وإن كان متوقفًا عَلَى شيء آخر نحو إن توضأت صحت صلاتك انتهى. وهنا الأمر بـ قل
لما كان مدخلًا في ذلك الْجَزَاء كأن يغضوا مجزومًا عَلَى أنه جواب له لتضمنه معنى حرف
الشرط ومَفْعُوله مقدر. أي لهم غضوا يغضوا إيذانًا بأنهم لفرط انقيادهم لا ينفك فعلهم عن
أمره وأنه كالسبب الموجب له والتَّعْبير بالْمُؤْمنينَ للإشَارَة إلَى ذلك؛ إذ مقتضى الإيمان ذلك
الانقياد. قال المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) الآية.
ويجوز أن يقدر بلام الأمر ليصح تعلق الْقَوْل بهما، فالْمَعْنَى حِينَئِذٍ قل للْمُؤْمنينَ ليغضوا من
أبصارهم عَلَى أن اللام في للْمُؤْمنينَ لام أجلية. أي قل لأجل الْمُؤْمنينَ ليغضوا مثل قوله
تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا) الآية. أي لأجلهم
ولو كان الْمُرَاد خاطبهم لقيل غضوا بالأمر الحاضر لا بالأمر الغائب، وأما كونه جوابًا
لغضوا فقد رده المص هناك بأنه لا بد من المخالفة فيما بين الشرط والْجَزَاء يعني في
الْفعْل أو في الْفَاعل أو فيها وهنا الْفعْل والْفَاعل متحدان، وإن أجاب بعضهم بأنه لم لا
يجوز أن يكون من قبيل:"من كانت هجرته إلَى الله ورسوله فهجرته إلَى الله ورسوله"أي
يغضوا غضًا مقبولًا نافعًا لكنه في مثل هذا ليس بمستحسن، ثم قال المص ولأن أمر
المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الْفَاعل واحدًا، وأما الْجَوَاب بأنه مسلم إن أريد أنه
إذا لم يكن محكيًا بالْقَوْل، وأما إذا كان محكيًا بالْقَوْل فيجوز التلوين نظرًا إلَى الغيبة بالنظر
إلى الآمر بـ قل فسخيف لأن التلوين مع كونه خلاف الظَّاهر لا يفيد هنا لأنه وإن كان الغيبة
بالنظر إلَى الأمر بـ قل وهو سبحانه وتَعَالَى حاصله لكن الخطاب بالنظر إلَى المبلغ واضح